في خطوة تُنذر بتصعيد جديد في الحرب الدائرة بالسودان، أعلن مجلس الأمن والدفاع السوداني، التعبئة العامة واستنهاض الشعب لمساندة الجيش في “القضاء على تمرد قوات الدعم السريع”، وهي المليشيا التي يتهمها السودانيون ومعهم منظمات دولية بالحصول على تمويل وتسليح من الإمارات، لتنفيذ عمليات تطهير عرقي ممنهجة في دارفور، وعلى رأسها مجزرة الفاشر الأخيرة التي هزّت الضمير العالمي.

تصعيد عسكري وطني في مواجهة مليشيا مدعومة من الخارج
البيان الختامي لاجتماع المجلس في الخرطوم جاء بعد أيام من معارك دامية، أعلن خلالها الجيش السوداني عن “الاستنفار الكامل للقوات المسلحة والاحتياط، وفتح باب التطوع الشعبي للدفاع عن الوطن”.
وحيا المجلس تضحيات الشعب السوداني “في معركة الكرامة”، مؤكدا أنه لا بديل عن القتال حتى دحر المتمردين.
مصادر عسكرية سودانية قالت لقناة الجزيرة إن الاجتماع ناقش “الترتيبات الكفيلة بعدم تكرار مأساة الفاشر، وتوسيع دائرة التعبئة لتشمل كل ولايات البلاد”. وأضافت أن المجلس شدد على “أن المرحلة المقبلة تتطلب وحدة الجبهة الداخلية، وتطهير مؤسسات الدولة من أي اختراق أو نفوذ للميليشيا”.
ويعكس قرار التعبئة العامة إدراك القيادة العسكرية أن الحرب دخلت مرحلة “وجودية”، خصوصا بعد توغل قوات الدعم السريع في مدن رئيسية غربي البلاد، بدعم مالي ولوجستي متواصل من أبوظبي، بحسب تقارير أممية وصحفية.
إجرام “الدعم السريع” واتهامات مباشرة للإمارات
لم يكتفِ المجلس بالإشارة إلى التمرد بوصفه تهديدا داخليا، بل وصفه صراحة بأنه “مليشيا إرهابية تابعة لعائلة آل دقلو”، في إشارة إلى حميدتي وإخوته، الذين تدينهم تقارير غربية بارتكاب جرائم حرب بدعم من محمد بن زايد.
وجاء في بيان المجلس أن “الانتهاكات الجسيمة غير المسبوقة التي ترتكبها مليشيا آل دقلو بحق المواطنين العزل في دارفور أدانها المجتمع الدولي”، لكنه استنكر صمت المؤسسات الأممية عن محاسبة الداعمين الخارجيين الذين يمدون المليشيا بالسلاح والمال عبر طرق غير مشروعة، في إشارة إلى الإمارات.
وكانت صحيفة الغارديان البريطانية قد كشفت الأسبوع الماضي عن أن الطائرات الإماراتية تواصل نقل شحنات عسكرية إلى قوات الدعم السريع عبر مطارات في شرق ليبيا، تابعة للجنرال خليفة حفتر، رغم العقوبات الدولية المفروضة على تسليح السودان.
وفي هذا السياق، قالت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية السودانية سليمى إسحاق إن ما جرى في الفاشر “تطهير عرقي ممنهج بتمويل من الخارج”، مؤكدة أن “أبوظبي تمول الحرب بالمال والسلاح والمعلومات، وتغطي على جرائم الإبادة إعلاميا عبر شركاتها الدعائية”.
موقف حازم من الجيش السوداني: لا هدنة قبل الانسحاب
وزير الدفاع السوداني حسن كبرون أكد أن الجيش “مستمر في استنهاض الشعب لمساندته”، مشددا على أن “لا هدنة مع مليشيا مجرمة إلا بانسحابها الكامل من المدن وتسليم سلاحها”.
وقال عضو في مجلس الأمن والدفاع للجزيرة إن “أي حديث عن وقف إطلاق النار لا معنى له ما دامت قوات آل دقلو تحتل المدن وتمنع الإغاثة وتفرض الحصار على المدنيين”.
كما شدد المسؤول على أن “الجيش لن يقبل بأي تسوية تُبقي الدعم السريع قوةً موازيةً داخل البلاد، وأن المعركة هي دفاع عن وحدة السودان وسيادته ضد مليشيات عميلة لدول أجنبية”.
تحرك سياسي وإنساني موازٍ
إلى جانب التعبئة العسكرية، ناقش المجلس الأوضاع الإنسانية المتدهورة، والمبادرات الدولية لإنهاء القتال، معربا عن ترحيبه بـ“الجهود المخلصة التي تسعى لوقف معاناة السودانيين جراء تمرد المليشيا”.
غير أن الترحيب لم يشمل الوسطاء الذين “يتجاهلون دور أبوظبي في إذكاء الحرب”، كما ورد في البيان.
وشكر المجلس حكومة الولايات المتحدة ومستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس على “جهوده المقدرة حيال الأزمة”، في إشارة إلى المساعي الأمريكية الأخيرة لتوثيق جرائم الدعم السريع تمهيدًا لإحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية.رسائل استراتيجية: من الدفاع إلى الهجوم
يرى محللون أن قرار مجلس الدفاع بإعلان التعبئة العامة يحمل رسائل ثلاث:
-
داخلياً، لتوحيد الصفوف خلف الجيش وإحباط أي محاولات لإعادة التفاوض مع حميدتي.
-
إقليمياً، للضغط على الدول الداعمة للمليشيا، وفي مقدمتها الإمارات، عبر كشف تورطها العلني في الحرب.
-
دولياً، لإعادة طرح القضية السودانية كصراع ضد الإرهاب لا كحرب أهلية، بما يفتح الباب أمام دعم عسكري ولوجستي أوسع من الحلفاء.
ويشير مراقبون إلى أن الخرطوم تتحرك لتصعيد المواجهة إعلامياً ضد “إجرام بن زايد”، خصوصاً بعد أن تحولت الفاشر إلى رمز للمجازر التي مولتها الإمارات سراً، كما وصفها تقرير وول ستريت جورنال.
خاتمة: السودان في معركة وجودية
مع قرار التعبئة العامة، يبدو أن السودان يدخل مرحلة جديدة من الحرب، حيث لم يعد الصراع مجرد نزاع على السلطة، بل معركة سيادة ضد مشروع إماراتي للهيمنة على موارد البلاد عبر مليشيات محلية.
وفي ظل التواطؤ الدولي وصمت بعض العواصم، تراهن القيادة السودانية على “إرادة الشعب” في مواجهة آلة الحرب التي صنعها بن زايد ويديرها آل دقلو.
وبينما يواصل العالم غضّ الطرف عن جرائم الفاشر والجنينة ونيالا، يبدو أن الخرطوم حسمت أمرها: القتال حتى النصر، أو الفناء دفاعاً عن الوطن.
اقرأ أيضًا :300 يوم من الصمت.. الشاعر عبد الرحمن يوسف بقبضة إمارات الشر