في أول زيارة له إلى العاصمة الأمريكية منذ سبع سنوات، يستعدّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لبدء زيارة رسمية إلى واشنطن يوم الاثنين المقبل، في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تجعل من الزيارة واحدة من أكثر محطات السياسة السعودية حساسية منذ صعوده إلى السلطة. 

وبينما تروّج الإدارة الأمريكية للفكرة بأن الرياض “الجائزة الكبرى” في مشروع التطبيع، يدخل ابن سلمان إلى البيت الأبيض وهو يحمل أجندة مختلفة، تتصدرها ضمانات أمنية صلبة، وامتيازات تكنولوجية متقدمة، مع إصرار رسمي على أن التطبيع ليس مطروحًا دون ثمن سياسي واضح يتعلق بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة.

عودة بعد سبع سنوات.. ومأزق ما بعد اغتيال خاشقجي

تُعد الزيارة محطة مفصلية في علاقة بن سلمان بواشنطن، فهي الأولى منذ مقتل الصحافي جمال خاشقجي عام 2018 داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وهو الحدث الذي فجّر أزمة غير مسبوقة في العلاقات بين البلدين. ورغم أن العلاقات عادت تدريجيًا منذ ذلك الحين، فإنّ حضور ولي العهد شخصيًا إلى واشنطن يحمل بعدًا رمزيًا يعبّر عن رغبة متبادلة في فتح صفحة جديدة أكثر صلابة بين الطرفين.

وتأتي الزيارة أيضًا بعد التحولات الإقليمية الكبرى التي أعقبت الضربة الإسرائيلية على قطر في سبتمبر الماضي، والتي دفعت الرياض إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية بشدة، خصوصًا أن الدوحة حصلت على ضمانات أمنية مباشرة من الرئيس ترامب أعادت رسم خطوط التوازن في الخليج.

قمة سعودية ـ أمريكية بملفات ثقيلة

سيلتقي ولي العهد بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الثلاثاء، قبل أن يشارك في منتدى استثماري سعودي – أمريكي يركّز على الطاقة والذكاء الاصطناعي. ورغم التكتم الرسمي المعتاد حول تفاصيل الزيارة، فإن تسريبات دبلوماسية أمريكية تشير إلى أن المحادثات ستتركز على ثلاثة مسارات رئيسية:

  1. اتفاق دفاعي طويل الأمد يمنح السعودية مظلة ردع أمريكية مباشرة، على غرار التفاهمات مع قطر.

  2. الحصول على تكنولوجيا عسكرية حساسة، بما في ذلك مقاتلات F-35 المتفوقة وأنظمة دفاع صاروخي متقدمة.

  3. وصول المملكة إلى الرقائق الإلكترونية المتطورة الضرورية لمشاريع الذكاء الاصطناعي ضمن “رؤية 2030”.

في المقابل، يعتزم ترامب مطالبة الرياض بتقليص تعاونها العسكري والتقني مع الصين، والالتزام بخطوات ملموسة نحو مسار التطبيع مع إسرائيل، إلى جانب دعم أمريكي لخارطة طريق سياسية تخصّ الفلسطينيين.

التطبيع.. شرط سعودي مقابل ضغط أمريكي

رغم الضغوط الأمريكية، تبدو فرص التطبيع منخفضة في الوقت الراهن، خاصة بعد حرب غزة التي أعادت ترتيب الحسابات في المنطقة. ومع ذلك، يريد ترامب استثمار العلاقة الشخصية الوطيدة التي تربطه بابن سلمان لدفع الملف إلى الأمام، ولو بالحد الأدنى من الالتزامات السياسية السعودية.

وتكرر الرياض موقفها المعلن: “لا تطبيع دون دولة فلسطينية كاملة السيادة”. وهو ما جدّدته منال رضوان، رئيسة فريق التفاوض بوزارة الخارجية السعودية، بتصريحات أكدت فيها أن الدولة الفلسطينية ليست مطلبًا سياسيًا فقط، بل شرطًا لبناء أي تكامل إقليمي. وبالرغم من ذلك، تدرك واشنطن أن ولي العهد منفتح على تفاهمات أمنية مع إسرائيل خلف الكواليس، بشرط أن يحصل بالمقابل على ترتيبات دفاعية أمريكية تضمن تفوق المملكة الإقليمي واستقرار مشاريعها الاقتصادية الضخمة.

توازنات إقليمية جديدة.. ومخاوف من الصراع مع إيران

تسعى الرياض إلى صياغة مقاربة أمنية أكثر اتزانًا في المنطقة، خصوصًا بعد المصالحة مع طهران العام الماضي. ورغم أن ابن سلمان لا يريد الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران، إلا أنه يريد اتفاقًا أمريكيًا ملزِمًا يضمن ردع أي تهديد محتمل، ويؤمّن للملكة مساحة آمنة لمتابعة مشاريعها الاقتصادية دون اضطرابات.

كما تخشى السعودية من اتساع النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان، وتسعى لطمأنة أمريكية بأنها لن تُترَك وحيدة في حال انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.

تقارب سياسي يتجاوز قضايا الرياض وواشنطن

لا تقتصر العلاقة بين ترامب وابن سلمان على الملفات الثنائية فحسب، بل تمتدّ لتشمل قضايا إقليمية حساسة. فوفق تسريبات أمريكية، كان ولي العهد من أبرز الداعمين لرفع العقوبات عن سوريا بعد سقوط بشار الأسد في ديسمبر الماضي، وهو ما فتح الباب أمام لقاء مباشر بين ترامب والرئيس السوري الجديد أحمد الشرع في الرياض ثم في البيت الأبيض لاحقًا.

هذا الدور السعودي المتقدم يعكس رغبة ابن سلمان في تثبيت موقعه كقوة إقليمية مقرِّرة في خرائط ما بعد الحروب، لا مجرد لاعب إقليمي تقليدي.

خلاصة: زيارة ثقيلة.. وملفات مفتوحة

تأتي زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن في توقيت يختبر فيه الطرفان قدرتهما على إدارة مصالح أكبر من أي خلافات سابقة. فالبيت الأبيض يريد إنجازًا دبلوماسيًا على صعيد التطبيع، بينما ترى الرياض أن اللحظة هي الأنسب لإعادة صياغة العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة وفق شروط جديدة تضمن تفوقها الإقليمي واستقرارها الداخلي.

ورغم أن الطريق إلى التطبيع ما زال طويلًا، فإن الزيارة ستكون ـ بلا شك ـ محطة مفصلية في تحديد اتجاهات العلاقة بين واشنطن والرياض، وربما تمهّد لاتفاقات استراتيجية غير مسبوقة إذا حصل كل طرف على ما يريده من الآخر.

اقرأ أيضا : “سفاري القتلة”.. إيطاليا تفتح أخطر ملفات التسعينيات