أثار قرار مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، الصادر مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والقاضي بإغلاق أربعة موانئ بحرية “مستحدثة وغير قانونية”، موجة واسعة من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية لهذه الخطوة، وما إذا كانت ترتبط بخطة إصلاح اقتصادي أم بصراع النفوذ في المناطق الجنوبية والشرقية، التي تعدّ مركز الثقل الاستراتيجي للقوى الإقليمية وفي مقدمتها الإمارات التي رسّخت وجودها في تلك المحافظات منذ عام 2015، وسط اتهامات واسعة بأنها دمّرت البنية السيادية للبلاد عبر إنشاء تشكيلات مسلّحة ومنافذ موازية خارج مؤسسات الدولة.

قرار مفاجئ يعيد فتح ملفات النفوذ الخارجي
شمل قرار الإغلاق أربعة موانئ: الشحر في حضرموت، نشطون في المهرة شرقاً، رأس العارة في لحج، وميناء قنا في شبوة. وهي موانئ اعتبرتها الحكومة منافذ “غير قانونية” تُستخدم لجلب البضائع بعيداً عن الرقابة الرسمية، على خلاف الموانئ السيادية الكبرى مثل عدن والمكلا.
ورغم أن القرار قُدّم بصفته “إصلاحاً اقتصادياً”، إلا أن توقيته ومناطق تنفيذه أثارا أسئلة حول الارتباط بين هذه المنافذ وبين النفوذ الإماراتي تحديداً، إذ إن معظمها يقع في مناطق كانت – ولا تزال – تشهد وجوداً كثيفاً لقوات موالية لأبوظبي، بعضها تابع للمجلس الانتقالي الجنوبي، وبعضها يعمل ضمن تشكيلات إماراتية خاصة كانت تدير منافذ بحرية بعيداً عن إشراف الحكومة.
ويرى مراقبون أن إغلاق هذه المنافذ يعيد طرح سؤال جوهري: هل تسعى الحكومة لاستعادة سيادتها الاقتصادية؟ أم لتقييد نفوذ الإمارات وشبكاتها التجارية والأمنية؟
الإصلاح الاقتصادي أم تصفية حسابات نفوذ؟
وفق تفسير الخبير الاقتصادي والأكاديمي اليمني هشام الصرمي، فإن القرار يأتي ضمن خطة حكومية أوسع لتجميع الإيرادات “في وعاء واحد”، أي في الحساب العام لدى البنك المركزي في عدن، بعد سنوات من تشتت العائدات بين المحافظات والمنافذ غير الرسمية.
ويضيف الصرمي أن هذه الموانئ الثانوية أدت إلى “انخفاض مستوى الرقابة السلعية”، وفتحت الباب أمام تهريب البضائع والأسلحة، في ظل هشاشة الرقابة المركزية. ويشير إلى أن كثيراً من شحنات الأسلحة تم ضبطها في موانئ عدن وحضرموت، ما يوضح خطورة استمرار المنافذ البديلة.
غير أن مراقبين يربطون بين هذه الممارسات وبين الدور الإماراتي خلال السنوات الماضية، إذ اتُّهمت أبوظبي—وفق تقارير أممية وإعلامية—بإدارة موانئ بديلة وتسهيل حركة شحنات غير خاضعة للرقابة بحجة “مكافحة الإرهاب”، وهو ما أدى عملياً إلى إضعاف سلطة الدولة اليمنية وتقوية تشكيلات مناطقية بعيدة عن المؤسسات الرسمية.
انعكاسات اقتصادية… وتحجيم للنفوذ الإماراتي؟
يرى الصرمي أن القرار خطوة إيجابية نحو استقرار سعر الصرف وزيادة قدرة الحكومة على تغطية النفقات، خصوصاً الرواتب التي مثّلت صداعاً مالياً منذ سنوات. كما أن تجميع الإيرادات ينعكس—وفق قوله—على قدرة الحكومة على “بسط نفوذها ورفع مستوى السيادة على المناطق المحررة”.
لكن هذا التحسّن الاقتصادي المحتمل لن يكون معزولاً عن الجانب السياسي؛ إذ يعني إغلاق الموانئ المستحدثة تجفيف مصادر تمويل غير رسمية لبعض القوى المدعومة من الإمارات، التي كانت تعتمد على موارد تلك المنافذ بعيداً عن الحكومة. وبالتالي، فإن خطوة الإغلاق—بحسب محللين—قد تكون بداية تحجيم ملموس للنفوذ الإماراتي الذي توسّع بشكل كبير في شبوة وحضرموت والمهرة ولحج خلال العقد الماضي.
موانئ ثانوية تتحول إلى ممرات للتهريب
الصحفي الاقتصادي وفيق صالح يؤكد من جانبه أن القرار يستهدف أساساً مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، مشيراً إلى أن الموانئ الأربعة ليست موانئ تجارية كبرى، بل “منافذ ثانوية صغيرة تستخدم لإدخال كميات محدودة من البضائع، وغالباً ما تُستعمل للتهريب”.
ويضيف صالح أن ضبط الموارد يتطلب أكثر من قرار رئاسي؛ بل يحتاج إلى رقابة صارمة ومكافحة فعلية للتهريب، وإلى إدخال أدوات تقنية حديثة لأنظمة الجمارك، وإنهاء الفساد والبيروقراطية “التي كانت أحد أسباب توسع الموانئ غير القانونية”.
ويشير محللون إلى أن عدداً من هذه المنافذ توسّع في فترة صعود نفوذ الإمارات في الجنوب، خاصة في ميناء قنا بشبوة الذي كانت تديره قوات موالية لأبوظبي قبل انسحابها من جزء من المحافظة عام 2021، ثم عاد نشاطه بطرق غير خاضعة تماماً للحكومة. وهو ما جعل القرار الحالي يرتبط—بشكل أو بآخر—بمساعي الحكومة لكبح مظاهر “الدولة الموازية” التي نشأت تحت رعاية إماراتية.
سياق الخطة الشاملة للإصلاح الاقتصادي
قرار الإغلاق لم يكن منفصلاً عن الحزمة الأوسع التي أقرها مجلس القيادة الرئاسي بداية نوفمبر، وتشمل إلزام المحافظات بتوريد كل الإيرادات المركزية إلى حساب الحكومة العام، مع منع أي عمليات صرف خارج الأطر القانونية.
هذه الإجراءات—وفق خبراء—تمثل محاولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة التي انهارت خلال سنوات الحرب والانقسام، وخصوصاً بعد توسّع النفوذ الإماراتي والسعودي داخل مؤسسات اقتصادية وأمنية، وهو نفوذ أدى—بحسب معارضين—إلى تفكيك البنية السيادية للدولة اليمنية وتقويض قدرتها على التحكم بمواردها.
خلاصة: بين اقتصاد منهار ونفوذ خارجي طاغٍ
يثير قرار إغلاق الموانئ الأربعة أسئلة تتجاوز الاقتصاد إلى جوهر السيادة اليمنية، وسط قناعة راسخة داخل قطاعات واسعة من اليمنيين بأن الإمارات—من خلال دعم تشكيلات محلية وإنشاء منافذ خارج سيطرة الدولة—لعبت دوراً مركزياً في تقويض مؤسسات البلاد وتدمير بنيتها الاقتصادية والسيادية.
ورغم أن الحكومة تقدمه كخطوة إصلاحية، إلا أن نجاحه سيعتمد على قدرة الدولة على فرض سلطتها فعلياً، وكبح نفوذ القوى الإقليمية التي تحوّلت الموانئ إلى أدوات في أيديها.
بالنهاية، يبدو أن القرار ليس مجرد تنظيم لمنافذ بحرية، بل محاولة لاستعادة جزء من السيادة اليمنية الضائعة في بلد تمزقه الحرب… وتنهشه تدخلات خارجية، على رأسها النفوذ الإماراتي الذي يراه كثيرون سبباً رئيسياً في تدمير البلاد.
اقرأ أيضًا : انتقام قيس سعيّد السياسي.. النهضة تدين حكما جديدا بسجن الغنوشي بسبب تبرعه للهلال الأحمر