تشهد دولة الإمارات واحدة من أعتى موجات الرفض الشعبي في تاريخها، بعدما تزايدت الأدلة الأممية والميدانية على تورّطها في تسليح وتمويل ميليشيات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية في السودان. 

ومع كل تقرير أممي جديد، ومع كل شهادة تخرج من قلب دارفور، تتعمّق صورة الإمارات كدولة تلعب دور “المموّل الأسود” لحرب أهلية طاحنة، وهو ما أشعل غضبًا عابرًا للحدود، وفتح الباب أمام حملة مقاطعة رقمية وإعلامية غير مسبوقة.

إجرام الإمارات في السودان يصل إلى العلن

منذ سقوط مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع، انفجرت شهادات الناجين والتقارير الحقوقية التي كشفت عن فظائع مروعة: مجازر بحق المدنيين، تطهير عرقي، اغتصاب ممنهج، وعمليات قتل جماعي وسط صمت دولي مثير للريبة. في قلب هذه الجرائم يظهر اسم الإمارات مرارًا، ليس بوصفها وسيطًا أو جهة محايدة، بل كطرف يغذّي الميليشيات بالسلاح والمال والغطاء السياسي.

اتهامات “تمويل الإبادة” لم تعد تغريدة هنا أو تصريحًا هناك؛ بل أصبحت مادة متواترة في تقارير الأمم المتحدة، وفي تغطيات “رويترز” و“الجارديان” و“نيويورك تايمز”، وفي شهادات مسؤولين سودانيين وعسكريين سابقين. وبات واضحًا أن الدور الإماراتي لم يعد قابلًا للتبييض الإعلامي أو الإخفاء الدبلوماسي كما كان في حروب أخرى.

السوشيال ميديا تفضح أبوظبي: من “حبيبي تعال دبي” إلى “حبيبي قاطع دبي”

التحوّل الأكبر ظهر على المنصات الرقمية. فحملة “حبيبي قاطع دبي” التي أطلقها نشطاء دوليون تحولت إلى حالة عالمية كاملة، بعدما انضم إليها مؤثرون كبار مثل غريتا تونبرغ ومغني الراب ماكلِمور وغيرهم من الرموز الغربية. الحملة لم تكن عابرة أو رمزية؛ بل استهدفت بدقة أهم ما تملكه الإمارات: سمعتها الناعمة وصورتها السياحية العالمية.

الجملة الساخرة التي تحاكي مقولة “حبيبي تعال دبي” أصبحت اختصارًا لإدانة سياسات أبوظبي، ورمزًا متداولًا بين ملايين المستخدمين حول العالم. والانتشار الواسع لهذا الخطاب أظهر هشاشة حملات الدعاية الإماراتية التي أنفقت عليها الدولة مليارات الدولارات، من الكرة الأوروبية إلى “إكسبو 2020” إلى صفقات اللوبيات في واشنطن.

دبي… مركز الإبهار يتحول إلى مركز غضب

لطالما قدّمت الإمارات مدينة دبي بوصفها “مدينة الأحلام” ومركزًا عالميًا للأعمال والسياحة. لكن ما يجري اليوم يضرب هذا النموذج في قلبه. فبدلًا من صور الأبراج والرفاهية، تتصدر المنصات صور الضحايا السودانيين وقصص الناجين، مرفقة باتهامات مباشرة بأن “دبي تموّل قتلهم”.

تصريحات الباحث كريستيان أولريخسن عن احتمال “انهيار العلامة الإماراتية” ليست مبالغة، بل قراءة واقعية لحجم الشرخ. فقد أصبحت حرب السودان قضية عالمية، تربطها الجماهير مباشرة بدور الإمارات، وليس مجرد شأن إقليمي يمكن التحكم في سرده.

وفي الوقت الذي تسارع فيه أبوظبي لإنكار التهم، تُظهر الأرقام أن الخطاب المضاد عليها أقوى بكثير، وأن قدرتها على التحكم بالمشهد الرقمي تتلاشى أمام موجة شعبية ضخمة تتجاوز المنطقة.

رد إماراتي مرتبك… ولجوء إلى المساجد

وزارة الخارجية الإماراتية حاولت امتصاص الغضب عبر النفي المتكرر والحديث عن “شائعات”. لكن حجم الاتهامات وصدورها من مصادر دولية موثوقة جعل هذا الخطاب هشًا. اللافت أن السلطات — وفق مراقبين — لجأت إلى تعبئة مؤيديها على الإنترنت، بل ووظفت منابر المساجد لدعوة الناس إلى “عدم تصديق الشائعات”.

استخدام المساجد للدفاع عن سياسات خارجية متهمة بدعم الإبادة يكشف حجم الارتباك الداخلي، ويُظهر خوف أبوظبي من التحول النوعي للحملة من مستوى النشطاء إلى مستوى الجماهير.

حتى المقربين من الدولة، مثل الأكاديمي عبد الخالق عبد الله، اعترفوا بأن مواجهة الحملة “شبه مستحيلة”، وأن التجاهل قد يكون الخيار الوحيد.

الضغوط الدولية تتوسع… والإمارات تحت المجهر

ورغم أن التحركات السياسية لا تزال محدودة، فإن المؤشرات تتراكم بوتيرة متسارعة. فوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ألمح بوضوح إلى وجود “دولة يجب أن تتوقف عن إرسال الأسلحة للدعم السريع” — والجميع يعرف أنه يقصد الإمارات. هذه الإشارات، وإن لم تتحول بعد إلى عقوبات، تكسر حاجز الصمت الذي كانت تستفيد منه أبوظبي.

كما حذّر الباحث عماد الدين بادي من أن الإمارات تواجه “ارتدادًا سلبيًا خطيرًا على مستوى السمعة”، وهو المجال الذي تنفق عليه مليارات لتلميع صورتها. وفي السياق نفسه، توقّع أولريخسن أن تلجأ أبوظبي لتعديل سلوكها بشكل “هادئ وغير معلن” إذا استمر الضغط، دون إقرارات رسمية بالخطأ.

نحو عزلة دولية؟ الإمارات على حافة المنبوذية الأخلاقية

ما يميز الحملة الحالية أنها شعبية الطابع، عالمية النطاق، غير قابلة للاحتواء.
لم يعد الأمر يتعلّق بمنظمة حقوقية تنتقد الإمارات، بل بحشود واسعة من المستخدمين، ومؤثرين نالوا ثقة جمهور ضخم، وشهادات يومية من السودان تشعل الغضب مجددًا.

هذه الحملة يمكن — وفق خبراء العلاقات الدولية — أن تتحول إلى شكل جديد من العزلة غير الرسمية، حيث يتجنب المستثمرون والسياح والشركات الارتباط بدولة تُتهم بتمويل حرب إبادة.

وبينما تنكر أبوظبي دورها، تتوسع الرواية الشعبية الدولية بأن الإمارات دولة تغذّي الفوضى والصراعات، وتستخدم المال والسلاح لتمديد نفوذها على حساب الدماء العربية والأفريقية.

وإذا استمر هذا المسار، فإن الإمارات قد تجد نفسها — لأول مرة منذ نشأتها — أمام حقيقة صادمة:
دولة يُنظر إليها عالميًا كقوة مدمّرة، ومحرّك للحروب، ومنبوذة أخلاقيا على الساحة الدولية.

اقرأ أيضًا : الإمارات تؤجّج حرب الفاشر وتقدم للجيش السوداني في كردفان