بقلم: محمود المنصور

في لحظة سياسية فارقة، تفاعل آلاف السودانيين والأفارقة مع خبر سقوط الرئيس الغيني بيساوي عمر سيسوكو أمبالو، ليس باعتباره تغييراً عادياً في بلد بعيد عن الأضواء، بل كجزء من مشهد أوسع يعكس صراعاً مفتوحاً في القارة على النفوذ، وتحديداً بين فرنسا والإمارات وإسرائيل من جهة، وبين شعوب إفريقيا التي تتطلع للتحرر من التبعية من جهة أخرى.
فالرجل الذي كان يُقدَّم كـ”حليف غربي معتدل”، انتهى في نظر كثيرين إلى رمز آخر لسياسات الهيمنة الخارجية، وواجهة لحلف ثلاثي يتدخل بعمق في شؤون دول القارة، وخاصة السودان.

وفي بلد مثل السودان، مثخن بجراح التدخلات الإقليمية ومشاريع التفتيت، لم يكن الاحتفاء بسقوط أمبالو مجرد شماتة سياسية، بل تعبيراً عن إدراك متنامٍ لطبيعة شبكة النفوذ التي كانت تحيط بالرجل وتستخدمه لتحقيق مصالح لا تخدم الشعوب الإفريقية.

أولاً: سمعة أمبالو.. من “القائد الصغير” إلى “وكيل فرنسا”

خلال العامين الماضيين، تحوّل عمر أمبالو إلى مادة دسمة للجدل في الإعلام الإفريقي.
فالضابط السابق الذي صعد سريعاً إلى السلطة، نجح في اكتساب أحد أسوأ الألقاب في القارة: “رجل فرنسا الجديد”.
لم يأتِ اللقب من فراغ؛ إذ باتت علاقته الوثيقة بإيمانويل ماكرون مثار سخرية وغضب، بعدما كرّر في مناسبات عدة جملته الشهيرة: “ماكرون… إنّه أخي”، لتغدو تعبيراً عن مدى التصاقه بالسياسات الفرنسية في وقت يتجه فيه المزاج الشعبي الإفريقي إلى رفض قاطع لكل ما ترمز إليه باريس من إرث استعماري وهيمنة اقتصادية.

ومع صعود احتجاجات واسعة من جيل “زد” ضد الوجود الفرنسي في غرب إفريقيا، جاء سقوط أمبالو كإشارة جديدة إلى تراجع قدرة باريس على حماية حلفائها، حتى أولئك الأكثر ولاءً.
كما تزامن ذلك مع زيارة أفريقية حساسة لماكرون قبل أيام فقط، كان هدفها إعادة ترميم صورة فرنسا المهتزّة، لا سيما بعد التدخل العسكري الفرنسي لإسقاط حليفها في مدغشقر.
لذلك بدا انقلاب غينيا بيساو ضربة موجعة لباريس في لحظة حرجة.

ثانياً: أبوظبي.. اليد التي تتوسع في إفريقيا

لم تكن فرنسا وحدها وراء حالة الرفض الشعبي لأمبالو؛ فالرجل كان أيضاً حليفاً وثيقاً للإمارات.
وأبوظبي، التي تنشط بكثافة في شرق ووسط وغرب القارة، تسعى منذ سنوات لمدّ نفوذها عبر شبكات أمنية وتجارية وعسكرية، من الموانئ إلى شركات التعدين، ومن دعم فصائل مسلحة إلى شراء ولاءات قادة محليين.

وبالنسبة لكثير من السودانيين، فإن أيّ مسؤول إفريقي يقترب من الإمارات يُنظر إليه فوراً كجزء من المخطط الإقليمي الذي ساهم في إشعال الحرب داخل السودان.
وتورط أبوظبي في دعم قوات الدعم السريع، وتهريب الذهب، وتمويل شبكات نفوذ داخل البلاد، جعل السودانيين أكثر حساسية تجاه أي مسؤول يفتح أبواب بلاده للإمارات على هذا النحو.

وأمبالو، بحسب العديد من التحليلات، لم يُخفِ تقاربه مع أبوظبي، بل بدا مستعداً لمنحها موطئ قدم جديد في غرب إفريقيا، في وقت تتهمها شعوب المنطقة بالسعي لفرض أنماط نفوذ مشابهة لتلك التي استخدمتها في القرن الإفريقي والسودان وليبيا.

ثالثاً: الافتتان بإسرائيل.. خطوة فجّرت غضباً واسعاً

من أسباب السخط الشعبي على أمبالو أيضاً لقاؤه برئيس دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتصريحه بأن تل أبيب “صديقة” ينبغي التعاون معها.
هذا الموقف اعتُبر انحيازاً واضحاً لأجندة إسرائيل التي تعمل على مدّ شبكات نفوذ سياسية وأمنية في إفريقيا منذ سنوات، وتحديداً عبر نوع من التحالف غير المعلن مع أبوظبي.

ولأن القضية الفلسطينية ما تزال في صلب الوجدان الشعبي الإفريقي عامة والسوداني خاصة، فقد بدت تصريحات أمبالو استفزازاً إضافياً؛ إذ ظهرت كجزء من مشروع تطبيع وتغلغل سياسي–أمني في القارة، يتناقض مع المزاج العام الذي بات أكثر دعماً لفلسطين منذ حرب غزة.

رابعاً: لماذا يفرح السودانيون تحديداً؟

1. سقوط أحد الشخصيات التي دعمت مشروع “تفتيت السودان”

في الوعي السوداني الشعبي، ارتبط أمبالو بالدول التي لعبت دوراً مركزياً في الحرب الحالية بالسودان، خصوصاً الإمارات.
ولذلك، فإن سقوطه يُنظر إليه كـ”انهيار أحد العجلات” التي كانت تدعم مشروع إضعاف السودان وتمزيقه.

2. رمز لانتهاء عهد الوصاية الأجنبية على إفريقيا

السودان، الذي عانى لسنوات من التدخلات الخارجية، يرى في سقوط وكلاء النفوذ الفرنسي–الإماراتي–الإسرائيلي مؤشراً على بداية عصر جديد من الاستقلال الإفريقي.

3. الشعور بأن العدالة الجيوسياسية بدأت تعمل

بعد أن رأى السودانيون كيف أن الدول المتدخلة في حربهم الداخلية تتمدد دون محاسبة، يشعر كثيرون بأن الساحة الدولية بدأت تكافئ الشعوب التي تقاوم النفوذ الأجنبي وتسقط رموزه.
وسقوط أمبالو، بالنسبة لهم، ليس حدثاً محلياً، بل جزء من رد فعل كوني على سياسات التدخل في السودان.

4. رسالة سياسية لخصوم السودان في الإقليم

وانهيار أحد حلفاء أبوظبي يُرسل – في نظر كثيرين – رسالة بأن مشاريع النفوذ التي تحاول الإمارات فرضها في القرن الإفريقي وغربه ليست محصّنة، بل يمكن أن تتراجع أمام إرادة الشعوب.

خامساً: إفريقيا تتغيّر.. ولا مكان بعد اليوم لوكلاء النفوذ

يأتي سقوط أمبالو ضمن سلسلة تحولات كبرى تشهدها القارة خلال السنوات الأخيرة:
انقلابات في دول الساحل، ثورات شعبية، خروج الجيوش الفرنسية، تمدد روسي، صعود قوى محلية جديدة، ونفور متزايد من النفوذ الخليجي والإسرائيلي.

ولذلك، فإن كثيرين يرون ما حدث في غينيا بيساو ليس مجرد تبدّل في السلطة، بل خطوة إضافية ضمن مسار تحرّر إفريقي طويل من الوصاية الأجنبية.

خاتمة

باختصار، فرح السودانيون بحادثة سقوط عمر أمبالو لأنه بالنسبة لهم ليس مجرد رجل سياسة، بل رمز مكتمل لشبكة نفوذ خارجية تشمل فرنسا والإمارات وإسرائيل، وهي الشبكة التي يرون أنها تآمرت على بلادهم ودعمت القوى التي دمّرت السودان.

ولأن الشعب السوداني يعيش واحدة من أصعب مراحل تاريخه، فإن سقوط أيّ ركن من أركان هذه الشبكة يُعد بالنسبة لهم لحظة انتصار صغيرة… لكنها مهمّة في معركة أكبر على مستقبل البلاد والقارة بأسرها.

اقرأ أيضًا : “الإخوان” ترفض تصنيف واشنطن وتتهم أبو ظبي و”إسرائيل” بالضغط على ترامب