في مشهد يعكس حجم الاحتقان السياسي المتصاعد في تونس، شرعت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف، الخميس، في النظر في ملف “التآمر1″، وهو واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل منذ وصول الرئيس قيس سعيّد إلى الحكم. ويشمل الملف 40 شخصاً، بينهم سياسيون معارضون من مختلف التوجهات، ومحامون بارزون ورجال أعمال، في خطوة يعتبرها معارضون “أكبر توظيف للقضاء في الصراع السياسي منذ 2011”.

محاكمة مشتعلة.. ومعارضون يرفضون المحاكمة عن بُعد
مع انطلاق الجلسة، استمعت المحكمة للمتهمين الذين يحضرون الجلسة وهم في حالة سراح، من بينهم المحامي العياشي الهمامي، الذي رفض الإدلاء بأي تصريحات دون حضور جميع المتهمين، رافضاً المحاكمة عن بعد باعتبارها “إجراءً يسهّل التحكم السياسي في القضاء ويمنع المحاكمة العادلة”.
وقبيل بدء الجلسة، احتشدت عائلات المعتقلين أمام المحكمة احتجاجاً على “المحاكمات الإلكترونية” ورفعت شعارات تندد بـ”قضاء التعليمات”، مطالبين بالإفراج الفوري عن أبنائهم. واعتبر المحتجون أن السلطة “تحاول إغلاق كل أبواب العلانية والمساءلة بإصرارها على المحاكمات عن بُعد”.
وتزامن ذلك مع تدهور خطير في الوضع الصحي للمعارض البارز جوهر بن مبارك الذي يواصل إضرابه عن الطعام لليوم الثلاثين، وفقد أكثر من 24 كيلوغراماً من وزنه، وتم نقله للمستشفى ست مرات، وفق ما أكدت محاميته دليلة مصدق. ويرى حقوقيون أن حياة بن مبارك أصبحت مهددة، بينما تتعمد السلطات “التعتيم” على حالته.
تأييد الأحكام أم تأخير جديد؟
أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة “الخلاص الوطني” وأحد المتهمين المحكومين بـ18 عاماً، اعتبر من أمام المحكمة أن “توقع ما يمكن أن يحدث في ظل أنظمة استبدادية أمر شديد الصعوبة”، لكنه رجّح أن تسعى السلطة إلى تأييد الأحكام الابتدائية.
وقال الشابي بلهجة حاسمة: “هذه ليست محكمة قضاة بل موظفين لدى السلطة التنفيذية، التعليمات واضحة، والملف برمته سياسي بحت”. وأضاف: “أنا محكوم بثمانية عشر عاماً وقد ينفذ الحكم ضدي في أي لحظة بعد إصدار قرار الاستئناف”.
ووصف الشابي المحاكمة بأنها “مسرحية كاملة”، معتبراً أن ما يجري جزء من مشروع قيس سعيّد لـ”اختزال الدولة في شخص واحد”، في إشارة إلى تركيز السلطات بيد الرئيس وتجميد المؤسسات الديمقراطية التي أفرزتها ثورة 2011.
قضية “التآمر”.. توسيع دائرة الاتهام لتشمل الجميع
في نيسان/أبريل الماضي، أصدرت المحكمة أحكاماً قاسية تراوحت بين 13 و66 عاماً ضد عدد من المتهمين بالملف، بينهم من تمت محاكمتهم غيابياً. وتشمل التهم:
– التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي
– تكوين وفاق إرهابي
– التحريض على تغيير هيئة الدولة بالقوة
– الإضرار بالأمن الغذائي والبيئة
ويرى مختصون أن توسيع ملف الاتهامات ليشمل سياسيين ورجال أعمال ومحامين يعكس “استراتيجية السلطة في تجميع كل الأصوات المعارضة داخل سلة واحدة، تمهيداً لقمعها قانونياً”.
تحرك جديد “ضد الظلم”.. الشارع يعود للاشتعال
بالتزامن مع تطور القضية، أعلنت عشرات الأحزاب والمنظمات والمبادرات المدنية عن خروج مسيرة احتجاجية كبرى السبت القادم، “دفاعاً عن الحريات ورفضاً للقمع”. وفي بيان مشترك، اتهمت هذه القوى السلطة بـ”إغلاق الفضاءات العامة وتجريم الرأي المخالف، وصناعة خصوم وهميين للهروب من الفشل الاقتصادي”.
وأشار البيان إلى أن تعليق نشاط الجمعيات والتضييق على العمل المدني “يشكل انقلاباً على مكتسبات الثورة، وتهديداً مباشراً لحق التونسيين في التنظيم”. وتؤكد هذه الحركات أن المسيرة تأتي استكمالاً لتحرك جماهيري واسع شهدته العاصمة الأسبوع الماضي تحت شعار “ضد الظلم”.
ويُنظر لهذه التحركات باعتبارها أكبر موجة غضب شعبي ضد الرئيس منذ 2021، حين أعلن سعيّد استحواذه على كل السلطات، وبدء مرحلة حكم فردي أثارت اعتراضات واسعة داخلياً وخارجياً.
ردّ قيس سعيّد.. خطاب تحريضي وتخوين للمعارضين
بعد يومين فقط على المسيرة الواسعة، أطلق الرئيس قيس سعيّد خطاباً تصعيدياً، اتهم فيه معارضيه بأنهم “مرتهنون للخارج ويسعون لتفجير البلاد”، واصفاً إياهم بـ”الخونة” الذين “يقتسمون المسروق”. وأشار إلى أن الدولة “لن تقف مكتوفة الأيدي أمام من يريد التنكيل بالمواطنين”.
ويرى محللون أن هذا الخطاب يعكس استمرار سعيّد في تأطير الأزمة السياسية بمنطق التخوين والتقسيم، في وقت يتهمه خصومه بتحويل القضاء إلى أداة للانتقام السياسي، وتصفية القيادات المعارضة عبر ملفات ثقيلة لا تستند إلى أدلة قضائية حقيقية.
كما يرى معارضون أن الرئيس يعتمد استراتيجية “تجفيف المجال العام” عبر قمع الاحتجاجات، واعتقال رموز المعارضة، وتشويه الجمعيات المدنية، بما يشبه مرحلة ما قبل الثورة، لكن بشكل أكثر حدة وجرأة.
تونس على مفترق طرق
بين مسار قضائي مثير للجدل، وغليان سياسي في الشارع، وانهيار اقتصادي خانق، تبدو تونس أمام مرحلة جديدة من الصراع حول طبيعة السلطة ومستقبل الثورة. فملف “التآمر1” لم يعد مجرد قضية قضائية، بل أصبح عنواناً لصراع مفتوح بين سلطة تميل إلى الحكم الفردي، ومعارضة تصر على إعادة الشرعية الدستورية.
ومع استمرار التصعيد بين الجانبين، يستعد آلاف التونسيين للنزول مجدداً إلى الشوارع، في مواجهة مباشرة مع منظومة قمع يعتبرون أنها تهدد ما تبقى من مكتسبات ثورة 2011.
هل تتظاهر تونس مجدداً؟ أم تُغلَق الساحات بقوة القبضة الأمنية؟ الإجابة تُكتب الآن في شوارع العاصمة وأروقة المحاكم.
اقرأ يضًا : البحرين أمام المحكمة العليا البريطانية بتهمة التجسس على معارضين في لندن