الدعوى التي تقدّمت بها أكبر نقابات الصحفيين في فرنسا ضد الاحتلال الإسرائيلي لم تكن مجرد خطوة قانونية، بل كانت – في جوهرها – صرخة مدوية تكشف حجم الإجرام الممنهج الذي يتعرض له كل من يقترب من سرد الحقيقة في غزة. فبينما تتواصل آلة القتل على الأرض، تسعى إسرائيل إلى إسكات آخر الشهود: الصحفيون.

هذه القضية الفرنسية فتحت الباب لسؤال أكبر: لماذا يخشى الاحتلال الكاميرا أكثر مما يخشى الإدانات الدولية؟ وما الذي يحاول إخفاءه بكل هذا الهوس بمنع الإعلاميين من الدخول أو العمل أو توثيق الجرائم؟

تحويل الميدان إلى منطقة معتمة

منذ الأيام الأولى للحرب، تعامل الاحتلال مع الصحفيين كأهداف عسكرية. أُغلقت الأبواب أمام أي صحفي يرغب بالدخول إلى غزة، ومن مُنح فرصة التسجيل أو التغطية يجد نفسه وسط قيود وتعقيدات وإجراءات تمنع أي عمل مستقل.

هذا السلوك لم يكن صدفة ولا إجراءً أمنياً عابراً، بل سياسة كاملة تهدف إلى تحويل غزة إلى منطقة بلا شهود. فحين يغيب الإعلام، يصبح كل شيء مباحًا: القصف، الإعدامات الميدانية، استهداف المدنيين، وتدمير الأحياء عن بكرة أبيها.

إن منع الصحفيين لم يكن مجرد انتهاك لحرية الإعلام، بل كان خطوة استراتيجية لتسهيل ارتكاب جريمة أكبر دون أن تُوثَّق.

إجرام الاحتلال ضد الصحافة: ليس حالة طارئة بل سياسة راسخة

لسنوات طويلة، أثبت الاحتلال أنه يعتبر الصحافة المستقلة “عدوًا”. فاستهداف المراسلين داخل غزة والضفة بات قاعدة وليس استثناءً. كثير من الصحفيين قُتلوا أثناء تغطيتهم، وآخرون فقدوا أطرافهم أو مقارهم أو عائلاتهم.

لكن الجديد في اللحظة الحالية هو اعتراف دول غربية – لأول مرة تقريبًا – بأن ما يجري ضد الصحفيين ليس مجرد نتائج جانبية للحرب، بل جريمة متعمدة.

الدعوى الفرنسية تكشف ذلك بوضوح: الاحتلال يمنع الوصول، يرفض إصدار التصاريح، يضيّق على الفرق الإعلامية، ويسمح للمستوطنين والجنود بممارسة العنف ضد الصحفيين دون أي محاسبة.

هذه سلوكيات لا يمكن تفسيرها إلا برغبة متعمدة في إسكات الحقيقة وحماية رواية واحدة: رواية الاحتلال.

ماذا يخفي الاحتلال؟

الاحتلال يعرف أن حربه على غزة لن تتحمل الضوء. كلما اقتربت الكاميرا من الواقع، انكشف حجم الفظائع:

  • قصف عائلات كاملة دون سابق إنذار

  • تهجير قسري جماعي

  • تجويع ممنهج عبر منع المساعدات

  • تدمير البنى التحتية المدنية

  • قصف المدارس والمستشفيات والملاجئ

كل هذه الجرائم تصبح مادة دامغة إذا وثقها الصحفيون، لذلك كان الخيار الأبسط والأشد وحشية: اقتل الشاهد، أو امنعه من الدخول، أو حاصر صوته.

الدعوى الفرنسية: كسر لجدار الصمت

ما يميّز الدعوى الفرنسية أنها جاءت من داخل دولة تُعتبر حليفًا تقليديًا لإسرائيل، ومن نقابات صحفية لها وزن دولي.

هذا يعني أن السلوك الإسرائيلي ضد الإعلام لم يعد قابلًا للتغطية أو التبرير. صار موضع مساءلة دولية.

النقابة الفرنسية وصفت ما يجري بأنه “عرقلة ممنهجة لحرية الصحافة”، وهو تعبير لا يُستخدم عادة إلا عند الحديث عن أنظمة استبدادية أو سلطات مارقة.

الأهم أن الدعوى لم تُحمّل المسؤولية لشخص، بل اعتبرت أن النظام الإسرائيلي بأكمله – جيشًا وأجهزة أمنًا وسلطات احتلال – مشارك في انتهاك متعمد لحرية الإعلام.

هذه خطوة تمهّد لفضح الاحتلال في ساحات قضائية خارج سيطرته، وقد تكون مدخلًا لتحقيقات دولية أوسع.

البعد السياسي للدعوى: ضربة غير مباشرة لشرعية الاحتلال

حين ترفع نقابة كبرى دعوى كهذه، فهي تؤكد أن الاحتلال لا يمارس فقط العنف العسكري، بل يمارس العنف ضد المعرفة.

وهذا يمسّ شرعية أي حرب يخوضها، خاصة إذا ثبت أنه يحجب المعلومات لمنع العالم من رؤية الحقيقة.

الدعوى تُحرج الحكومات الداعمة لإسرائيل، لأنها تكشف تناقضًا واضحًا: كيف يمكن دعم دولة تتهمها نقابات غربية نفسها بارتكاب جرائم في حق الصحفيين؟

كما تفتح الباب أمام منظمات حقوقية لإطلاق دعاوى مشابهة في دول أخرى، ما يعني اتساع دائرة المحاسبة.

رسالة الدعوى: الحقيقة أقوى من الحصار

الخطوة الفرنسية ليست مجرد ورقة في محكمة، بل هي إعلان أن العالم بدأ يرى ما يحدث في غزة بعيون جديدة.

وهي أيضًا رسالة للصحفيين الذين يدفعون حياتهم ثمنًا لنقل الحقيقة: أن صوتهم لن يُدفن، وأن جرائم الاحتلال ضدهم لن تبقى بلا مساءلة.

فإسرائيل التي تحاصر غزة وتحاول خنق صوت الضحايا، تجد نفسها اليوم محاصرة بتساؤل أخلاقي وقانوني: لماذا ترتعد من الكاميرا إلى هذا الحد؟

لأن الحقيقة – ببساطة – هي أكثر ما يهددها.

اقرأ أيضًا : عام الإجرام الإسرائيلي 2025.. العام الأشد دموية ضد الفلسطينيين