في خطوة تُجسّد ذروة استهداف مؤسسات الأمم المتحدة، وتكشف عن دوافع سياسية عميقة تتجاوز مجرد “خلاف إداري”، أقدمت شرطة الاحتلال الإسرائيلي، فجر الاثنين، على إنزال علم الأمم المتحدة من مقر وكالة “الأونروا” في القدس الشرقية ورفع علم الاحتلال مكانه، في سابقة خطيرة تُنذر بتداعيات واسعة على وضعية الوكالة ودورها في حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

هذه الخطوة لم تأتِ بمعزل عن سياق مستمر من التحريض والضغط السياسي الذي تقوده حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، بهدف تصفية “الأونروا” باعتبارها آخر شاهد قانوني وسياسي على قضية اللاجئين وحقّهم في العودة، وهو ما يدفع إلى التساؤل: لماذا يحابي الاحتلال الأونروا؟ ولماذا يسعى لإزاحتها من القدس تحديداً؟

اقتحام مُخطط ومصادرة متعمدة

كشف المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، أن شرطة الاحتلال اقتحمت المقر في حي الشيخ جراح برفقة مسؤولين من بلدية الاحتلال، مستخدمة الدراجات النارية والشاحنات والرافعات، قبل أن تُنزل علم الأمم المتحدة وترفع علم إسرائيل، في انتهاك موثَّق للقانون الدولي، وللاتفاقيات التي تحمي حرمة مقار الأمم المتحدة.

وأوضح لازاريني أن الاقتحام رافقه قطع كامل للاتصالات ومصادرة للأثاث ومعدات تكنولوجيا المعلومات، إضافةً إلى نقل معدات من داخل المقر بطريقة تُحاكي عمليات السيطرة القسرية لا مداهمة اعتيادية.

ولم يكتف الاحتلال بذلك، بل سبق أن أجبر موظفي الوكالة على إخلاء المكان مطلع العام الجاري، بعد أشهر طويلة من المضايقات الممنهجة، والتي شملت هجمات حرق متعمد عام 2024، ومظاهرات ترهيب، وحملات تضليل إعلامي واسعة، وتشريعات في الكنيست تستهدف وجود الوكالة.

استهداف ممنهج يضرب جوهر قضية اللاجئين

تكشف هذه الإجراءات أن الاحتلال لا يتعامل مع الأونروا باعتبارها مجرد وكالة خدماتية، بل ككيان سياسي يذكّره يومياً بوجود ملايين اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين في العالم، وبحقّهم التاريخي والقانوني في العودة.

ولذلك، فإن ضرب الأونروا ليس مجرد انتقاص من مؤسسة أممية، بل هو محاولة لإعادة صياغة الرواية التاريخية، عبر إلغاء الشاهد الأبرز على جريمة التهجير القسري عام 1948.

ويخشى الاحتلال من دور الأونروا للأسباب الآتية:

  1. الأونروا تحمل اعترافاً دولياً دائماً بمسؤولية إسرائيل عن قضية اللاجئين.

  2. وجودها في القدس يقطع الطريق على مخطط “تهويد” المدينة بالكامل.

  3. توثّق انتهاكات الاحتلال وتقدّمها للأمم المتحدة، ما يجعلها عائقاً أمام محاولات تبييض الصورة.

  4. تقدم خدمات لأكثر من 5.6 ملايين لاجئ، ما يحفظ الهوية الوطنية الفلسطينية ويقاوم سياسة الطمس.

بناء عليه، فإن محاباة الاحتلال للأونروا ليست محاباة بالمعنى الإيجابي، بل محاباة بمعنى الانشغال المستمر بمحاربتها واستهدافها، لأنها تمثل العقبة القانونية الأكبر أمام مشروع تصفية حق العودة.

انتهاك صريح للحصانة الدبلوماسية

أعاد لازاريني التذكير بأن المبنى يحتفظ بوضعه كمقر تابع للأمم المتحدة، يتمتّع بالحصانة الكاملة من التفتيش والمصادرة، استناداً إلى “اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة”، وأن إسرائيل — كدولة عضو — ملزمة قانونياً بحمايته.

كما استشهد بقرارات محكمة العدل الدولية التي شددت على ضرورة تعاون إسرائيل مع الوكالات الأممية، محذراً من أن هذا الانتهاك “يمثل سابقة خطيرة يمكن أن تتكرر ضد أي مقر أممي في العالم”.

لكن الاحتلال يتصرّف اليوم كدولة فوق القانون، مستنداً إلى دعم سياسي غربي، ما يجعل خرق الاتفاقيات الدولية أمراً “مريحاً” لحكومة يمينية تسعى بشكل صريح لإلغاء أي وجود أممي داخل القدس.

لماذا القدس؟ ولماذا الآن؟

اختيار القدس الشرقية ليس قراراً عشوائياً، بل جزء من معركة استراتيجية:

  • القدس هي مركز مشروع التهويد، وإخراج الأونروا منها يعني إعلاناً غير معلن عن إنهاء أي وجود دولي في المدينة.

  • الجمود السياسي الإقليمي وانشغال العالم بالحروب يوفّر بيئة مثالية لتنفيذ هذا النوع من الانتهاكات.

  • اليمين الإسرائيلي يعتبر الأونروا “عقبة سيادية” لأنه لا يريد أي جهة أجنبية تملك سلطة داخل المدينة.

وما يعزّز هذه الفرضية أن حكومة الاحتلال كانت قد ناقشت سابقاً إقامة مستوطنة في موقع المقر بعد إخلائه، ما يكشف أن الاستهداف ليس أمنياً، بل تخطيط استيطاني مُسبق.

رسائل سياسية تتجاوز حدود الوكالة

من خلال إنزال علم الأمم المتحدة، يوجه الاحتلال ثلاث رسائل واضحة:

  1. للمجتمع الدولي: أن إسرائيل لا تعترف بسلطة الأمم المتحدة داخل القدس.

  2. للأونروا: أن وجودها في المدينة بات غير مرغوب، وأن مستقبلها في الأراضي المحتلة مهدد.

  3. للفلسطينيين: أن أي رمزية دولية تدعم حقوقهم يمكن محوها بالقوة.

وبذلك يتحول “العلم” إلى رسالة سيادية بامتياز، تعكس إصرار الاحتلال على فرض الأمر الواقع بالقوة.

خلاصة: معركة على الرواية والشرعية

إن إنزال علم الأمم المتحدة ليس مجرد اندفاع من شرطة الاحتلال، بل خطوة محسوبة في إطار حرب أوسع على الشرعية الدولية، وعلى كل المؤسسات التي تُذكّر العالم بأن الاحتلال غير شرعي، وأن حقوق اللاجئين ثابتة بقوة القانون.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يهاجم الاحتلال الأونروا؟
بل: لماذا يخشى الاحتلال الأونروا؟

والإجابة واضحة: لأنها آخر مؤسسة دولية تُجسّد قضية اللاجئين وتمنع محاولات تصفيتها، ولأن وجودها في القدس هو بمثابة “العلم” الأخير الذي يذكّر العالم بأن المدينة ما زالت محتلة، وأن رواية الاحتلال لن تصبح حقيقة مهما حاول فرضها بالقوة.

اقرأ أيضًا : انهيار غير مسبوق في مخزون الدواء بغزة وأزمة غاز الطهي تتفاقم وسط حصار خانق