في تصعيد جديد يُهدّد بتقويض ما تبقى من خطوط التهدئة الهشة، شنّت طائرات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، سلسلة غارات جوية على مناطق واسعة في جنوبي لبنان، مستهدفة وادي رومين وجبل صافي في إقليم التفاح، إضافة إلى محيط نهر زفتا في قضاء النبطية. وتأتي الضربات الجوية في وقت حساس سياسيًا وعسكريًا، وبعد أيام فقط من إرسال بيروت وتل أبيب مبعوثين مدنيين للمشاركة في اجتماعات اللجنة العسكرية المكلّفة بمراقبة وقف إطلاق النار، في خطوة أرادتها واشنطن بداية لمسار تفاوضي أوسع.
الغارات التي وُصفت بأنها الأعنف منذ أسابيع، أعادت للواجهة الأسئلة حول نوايا الاحتلال، وحدود التزامه بقرار مجلس الأمن 1701، الذي يفترض أنه يشكّل الإطار القانوني الناظم لوقف الأعمال العدائية بين الطرفين منذ حرب 2006، قبل أن تتجدد المواجهات بصورة أوسع في أحداث 2023 ثم تتحول إلى حرب شاملة في 2024.
غارات مكثّفة وتبريرات جاهزة
وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، فقد نفّذت الطائرات الإسرائيلية سلسلة من الغارات المركّزة استهدفت مواقع متفرقة في الجنوب. الاحتلال، وكعادته، سارع إلى تبنّي الرواية الأمنية لتبرير هجماته، مدّعيًا أنه ضرب “بنية تحتية عسكرية” لحزب الله، بما في ذلك ما وصفه بمجمّع تدريبي تابع لقوة الرضوان، بالإضافة إلى منشآت عسكرية ومواقع إطلاق صواريخ.
هذه التبريرات لا تعدو كونها غطاءً لسياسة ممنهجة من الاعتداءات التي يشنّها الاحتلال، والتي اتخذت في الأشهر الأخيرة منحى تصعيديًا واضحًا، على الرغم من الترتيبات الدولية الداعية لخفض التوتر. ففي الواقع، تُظهر السجلات الأممية أن إسرائيل ارتكبت آلاف الخروقات منذ بدء وقف إطلاق النار المفترض، شملت طلعات جوية، وغارات، وتوغلات محدودة، ما أدى إلى استشهاد وإصابة مئات اللبنانيين، إلى جانب دمار واسع في البنى التحتية والممتلكات.
اليونيفيل: انتهاكات “فاضحة” تهدد الاستقرار
تصريحات قائد قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل”، الجنرال ديوداتو أباغنارا، جاءت لتؤكّد حجم الإجرام الإسرائيلي في الجنوب. ففي مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، قال أباغنارا بوضوح إن الهجمات الجوية اليومية التي تشنّها إسرائيل تُعد “انتهاكًا دائمًا وفاضحًا” لقرار مجلس الأمن 1701، مشيرًا إلى أن وجود مواقع عسكرية إسرائيلية ثابتة بمحاذاة الخط الأزرق يشكّل بدوره خرقًا صارخًا للاتفاق الأممي.
تحذيره من أن الوضع “هش للغاية” وأن أي “خطأ صغير قد يقود إلى تصعيد كبير” يُعيد للأذهان تجارب السنوات السابقة، حيث تحولت احتكاكات محدودة إلى مواجهات واسعة النطاق، كان آخرها الحرب الشاملة في أيلول/ سبتمبر 2024 التي أدت إلى استشهاد أكثر من 4 آلاف لبناني وإصابة ما يزيد على 17 ألفًا، فضلًا عن خسائر اقتصادية وبشرية هائلة.
اليونيفيل، رغم دورها الميداني، تبدو عاجزة أمام تجاوزات الاحتلال، مكتفية بالتوثيق ورفع التقارير، بينما تستمر إسرائيل في فرض وقائع جديدة على الأرض، دون اكتراث بالقرارات الدولية أو بالتحذيرات الأممية.
السياق السياسي: محادثات باردة وغارات ساخنة
التصعيد الإسرائيلي يأتي بعد خطوة اعتبرها مراقبون “إيجابية حذرة”، حين أرسلت كل من إسرائيل ولبنان مبعوثين مدنيين للمشاركة في اجتماعات مراقبة وقف إطلاق النار، استجابة لضغط أمريكي قديم يهدف إلى دفع الطرفين نحو مفاوضات أوسع تتماشى مع أجندة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط.
غير أن استمرار الغارات الإسرائيلية بهذا الشكل يطرح علامات استفهام حول نوايا تل أبيب. فبدل أن تُظهر أي التزام بوقف التصعيد وتعزيز فرص الحوار، يبدو أنها تُمعن في استغلال اللحظة السياسية لإعادة فرض شروطها بالقوة، وإرسال رسائل ميدانية بأن ميزان الردع ما يزال بيدها.
كما يرى محللون أن الاحتلال يحاول توظيف هذه الضربات لترميم صورة الردع التي تضررت بعد حرب غزة، عبر استعراض القوة في الساحة اللبنانية، ولو على حساب المدنيين والبنى التحتية، في سياسة عقاب جماعي لا تختلف عن نهجه المتّبع في فلسطين المحتلة.
إجرام مستمر وتجاهل كامل للقانون الدولي
لا يمكن قراءة الغارات الإسرائيلية الأخيرة إلا في سياق الإجرام الممنهج الذي يمارسه الاحتلال في الإقليم. فالضربات التي طالت الجنوب اللبناني ليست سوى امتداد لسياسة تقوم على فرض الهيمنة العسكرية عبر تدمير المناطق الحدودية، واستهداف المدنيين، وخلق حالة دائمة من عدم الاستقرار.
سجل الاحتلال في لبنان وفلسطين يعجّ بالانتهاكات: قصف مستشفيات، اغتيال صحفيين، استهداف فرق إنقاذ، استخدام قوة مفرطة ضد تجمعات مدنية، وتدمير منازل ومزارع ومساجد. واليوم، تعيد غارات الجنوب اللبناني المشهد ذاته: اعتداءات خارج إطار القانون، وذريعة “الأهداف العسكرية” تُرفع في كل مرة لتغطية هجمات تقع غالبًا بعيدًا عن أي خطوط اشتباك فعلية.
الرسالة واضحة: إسرائيل تتصرف وكأنها فوق المساءلة، تستبيح الأجواء اللبنانية دون رادع، وتواصل سياسة الإجرام دون التزام بالاتفاقات الدولية أو اعتبار لحياة المدنيين.
خاتمة: جنوب لبنان على فوهة التصعيد
الهجمات الأخيرة تُنذر بأن الجنوب يقف من جديد على حافة التصعيد. فبين غارات يومية، وخرق متواصل للقرار 1701، ودور أممي محدود، وسعي إسرائيلي واضح لتغيير قواعد الاشتباك، تبدو المنطقة مفتوحة على احتمالات خطيرة.
وما لم يُمارس ضغط دولي حقيقي لوقف اعتداءات الاحتلال، فإن أي شرارة صغيرة قد تعيد المنطقة إلى دائرة العنف واسعة النطاق، حيث يكون المدنيون – كالمعتاد – أول الضحايا.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يضخ مليارات لإقامة 17 مستوطنة جديدة بالضفة.. هندسة ممنهجة لسرقة الأرض وتكريس الفصل العنصري