في خطوة جديدة تعكس تصعيدًا خطيرًا في سياسات التضييق على الفلسطينيين، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي على توزيع منشورات في عزبة رأس طيرة جنوب شرقي قلقيلية، تطالب فيها الأهالي بخفض صوت الأذان في مسجدي القرية، بذريعة أنه “يزعج” مستوطني مستوطنة “ألفي منشة” المقامة على أراضي القرية المصادرة. خطوة لم تكن معزولة أو عابرة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من حرب ممنهجة على الهوية الدينية والثقافية الفلسطينية، تستهدف الأرض والإنسان والرمز في آن واحد.

الأذان كهدف للاحتلال
لم يكن الأذان يومًا مجرد نداء للصلاة في السياق الفلسطيني، بل تحوّل عبر عقود الاحتلال إلى علامة وجود وصمود، يختصر معركة الفلسطيني مع سياسات المحو والاقتلاع. لذلك، فإن مطالبة الاحتلال بخفض صوته لا يمكن قراءتها كإجراء “إداري” أو “أمني”، بل كجزء من سياسة تهدف إلى تجفيف المجال العام الفلسطيني من مظاهره الدينية والثقافية، وإعادة هندسته بما يخدم المستوطن ويُقصي صاحب الأرض.
بحسب مصادر محلية، تفاجأ أهالي عزبة رأس طيرة باقتحام قوات الاحتلال للمنطقة وتوزيع منشورات تهدد باعتقال أئمة المساجد في حال “تكرار المخالفة”. تهديدات أعادت إلى الأذهان سياسات قديمة استخدمها الاحتلال في القدس والخليل، حيث جرى التحكم بمكبرات الصوت، وتقييد الأذان، وفرض واقع ديني قسري يخضع لميزان القوة لا لحرية العبادة.
قرية محاصرة وجدار يخنق الحياة
تقع عزبة رأس طيرة في المنطقة المصنفة (ج)، ويبلغ عدد سكانها نحو 700 نسمة، وتُحاصر بالكامل بجدار الفصل العنصري، ما جعلها نموذجًا صارخًا لـسياسة العزل والخنق الجغرافي. القرية محاطة بالمستوطنات من جهة، وبالجدار من الجهات الأخرى، في مشهد يلخص فلسفة الاحتلال: الفلسطيني محاصر في أرضه، ومطالب بالصمت حتى في شعائره.
في هذا السياق، يصبح الأذان “مزعجًا” فقط لأنه يذكّر المستوطن بأنه يقيم على أرض ليست له، وأن هذا الصوت، مهما خُفّض، يظل شاهدًا على جريمة الاستيطان المستمرة.
من خفض الأذان إلى إحراق المساجد
لا يمكن فصل ما جرى في عزبة رأس طيرة عن سلسلة اعتداءات متصاعدة على دور العبادة الإسلامية في الضفة الغربية. ففي الشهر الماضي، أقدم مستوطنون متطرفون على إحراق أجزاء من مسجد في بلدة دير استيا شمال سلفيت، وكتبوا شعارات عنصرية باللغة العبرية تدعو إلى الكراهية والعنف.
شهود عيان أكدوا أن المستوطنين اقتحموا البلدة ليلًا، وأشعلوا النار في مسجد الحاجة حميدة، قبل أن يتمكن الأهالي من إخماد الحريق. حادثة ليست استثناءً، بل حلقة ضمن عشرات الاعتداءات التي وثقتها مؤسسات حقوقية فلسطينية، شملت حرق مساجد، تدنيس مصاحف، وخط شعارات تحريضية تدعو لطرد الفلسطينيين أو قتلهم.
سياسة ممنهجة لا حوادث فردية
تصر سلطات الاحتلال على تصوير هذه الاعتداءات باعتبارها “أفعالًا فردية”، لكن الوقائع الميدانية تشير إلى سياسة منظمة، تتكامل فيها أدوار الجيش والمستوطنين. فبينما ينفذ المستوطن الاعتداء، يوفر الجيش الحماية، أو يتدخل لمعاقبة الضحية بدل الجاني.
وحسب مصادر حكومية فلسطينية، ارتفعت حصيلة اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية والقدس المحتلة منذ بدء حرب الإبادة على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 1097 شهيدًا، إضافة إلى نحو 11 ألف مصاب وأكثر من 21 ألف معتقل. أرقام تعكس حجم الانفلات الدموي، وتؤكد أن استهداف الأذان ليس سوى وجه آخر من وجوه الحرب الشاملة على الفلسطينيين.
تحذيرات أممية… وصمت دولي
في موازاة ذلك، حذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة من أن الحيز المتاح لرصد وتوثيق الانتهاكات يتقلص بشكل خطير، في ظل تصعيد الاحتلال لقمع الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، واستهداف المنظمات الحقوقية المحلية والدولية.
لكن رغم هذه التحذيرات، لا يزال المجتمع الدولي عاجزًا عن ترجمة بيانات القلق إلى إجراءات رادعة، ما يمنح الاحتلال ضوءًا أخضر لمواصلة سياساته، من قصف غزة إلى خنق القرى، ومن تدمير البيوت إلى محاولة إسكات الأذان.
حرب على الصوت والهوية
في جوهرها، ليست معركة خفض صوت الأذان معركة على “الضجيج”، بل حرب على الهوية والوجود والحق في الحياة الطبيعية. الاحتلال الذي يقتل ويهدم ويحاصر، لا يحتمل صوتًا يذكره بأن هذه الأرض لها أصحاب، وأن هذا الشعب، رغم كل شيء، ما زال ينادي للحياة… وللصلاة.
اقرأ أيضًا : قمع قيس سعيّد يتواصل: الإفراج عن 20 موقوفًا وسجن 4 على خلفية احتجاجات القيروان