دخلت عدة ولايات سودانية في موجة إظلام واسعة النطاق، عقب استهداف محطة المقرن التحويلية للكهرباء بمدينة عطبرة، في هجوم بطائرات مسيّرة نُسب إلى ميليشيا الدعم السريع، وأسفر عن مقتل عنصرين من الدفاع المدني وتدمير محولات تغذية رئيسية. الهجوم لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل حلقة جديدة في حرب البنية التحتية التي تُدار ضد السودان، وسط اتهامات متصاعدة بدور إماراتي غير مباشر في دعم هذا المسار التخريبي.

وأعلنت شركة كهرباء السودان الحكومية أن الهجوم أدى إلى إصابات مباشرة في المحطة، ما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي عن عدة ولايات، في وقت تبذل فيه فرق الدفاع المدني جهودًا كبيرة لإخماد الحرائق وتقييم الأضرار. ووفق بيان مجلس التنسيق الإعلامي بالشركة، فإن عنصرين من الدفاع المدني استُشهدا أثناء محاولتهما السيطرة على الحريق الذي اندلع عقب الضربة الأولى.

هجوم ليلي ورسالة بالنار

شهود عيان أفادوا بأن أصوات المضادات الأرضية التابعة للجيش السوداني دوّت فجر الخميس، أثناء تصديها لطائرات مسيّرة حلّقت فوق مدينة عطبرة قرابة ساعتين. ومع تصاعد ألسنة اللهب والدخان من محيط المحطة، غرقت المدينة بالكامل في الظلام، قبل أن تمتد آثار الانقطاع إلى ولايات أخرى تعتمد على المحطة في تغذيتها الكهربائية.

هذا الهجوم، الذي وقع في مدينة خاضعة لسيطرة الجيش، يحمل دلالة واضحة على انتقال ميليشيا الدعم السريع من المواجهة العسكرية المباشرة إلى استهداف الشرايين الخدمية للدولة، في محاولة لشل الحياة المدنية وضرب الاستقرار الداخلي.

حرب على المدنيين لا على الجبهات

استهداف محطة كهرباء رئيسية لا يمكن فصله عن نمط متكرر من الهجمات التي طالت خلال الأشهر الماضية منشآت مدنية وبنية تحتية حيوية، من محطات كهرباء ومياه إلى مستشفيات ومخازن وقود. ويؤكد مراقبون أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى معاقبة المدنيين جماعيًا، ودفعهم إلى حافة الانهيار المعيشي، في سياق حرب استنزاف طويلة الأمد.

النتائج المباشرة لانقطاع الكهرباء تتجاوز الظلام المؤقت، لتشمل تعطّل ضخ المياه، وتوقف مرافق صحية، وتضرر سلاسل التبريد الخاصة بالأدوية والغذاء، فضلًا عن شلل الأنشطة الاقتصادية اليومية، في بلد يعيش أصلًا واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث.

الإمارات في قلب الاتهام

في خلفية هذه الهجمات، تتصاعد الاتهامات بدور إماراتي في دعم ميليشيا الدعم السريع، سواء عبر التمويل أو التسليح أو توفير الغطاء السياسي والإقليمي. ورغم نفي أبوظبي المتكرر لأي تدخل مباشر، إلا أن تقارير دولية وتحقيقات صحفية سابقة تحدثت عن علاقات وثيقة بين الإمارات وقادة الميليشيا، وعن استخدام الدعم السريع أسلحة متطورة، من بينها الطائرات المسيّرة، يصعب الحصول عليها دون دعم خارجي.

ويرى محللون أن استهداف البنية التحتية السودانية يصب في إطار أوسع لإضعاف الدولة المركزية، ومنع عودة الاستقرار، بما يخدم مصالح إقليمية تسعى إلى إبقاء السودان ساحة مفتوحة للفوضى والنفوذ.

سياق ميداني ملتهب

يأتي هجوم عطبرة في وقت تشهد فيه ولايات إقليم كردفان الثلاث اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، أدت إلى نزوح عشرات الآلاف خلال الأسابيع الأخيرة. كما تواصل الميليشيا سيطرتها على ولايات دارفور الخمس، باستثناء أجزاء من شمال دارفور، بينما يفرض الجيش نفوذه على معظم الولايات الأخرى، بما فيها الخرطوم.

هذا التداخل بين الجبهات العسكرية واستهداف العمق المدني يعكس اتساع رقعة الصراع، وتحوله إلى حرب شاملة لا تميز بين مقاتل ومدني، ولا بين ثكنة عسكرية ومحطة كهرباء.

تداعيات أخطر من الإظلام

مقتل عنصري الدفاع المدني خلال الهجوم يسلط الضوء على مخاطر متزايدة تهدد العاملين في القطاعات الخدمية، ويبعث برسالة سلبية حول قدرة الدولة على حماية كوادرها، في ظل حرب تُدار بأدوات غير تقليدية، وعلى رأسها المسيّرات.

كما يفتح استهداف منشآت مدنية الباب أمام مساءلة قانونية دولية، باعتبار أن ضرب البنية التحتية الحيوية يرقى إلى انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني، ويزيد من عزلة الأطراف المتورطة في هذه الهجمات.

السودان بين العتمة والمواجهة

حادثة عطبرة ليست مجرد انقطاع كهرباء عابر، بل مؤشر على مرحلة أكثر خطورة في الحرب على السودان، تُستخدم فيها ميليشيا الدعم السريع كأداة لتدمير ما تبقى من مقومات الدولة، وسط اتهامات متزايدة بتواطؤ إقليمي تقوده الإمارات.

ومع استمرار هذا النهج، يبدو أن السودانيين مهددون بمزيد من الظلام، ليس فقط في منازلهم، بل في مستقبل دولتهم، ما لم تتوقف مؤامرة تفكيك البلاد، ويُحمى ما تبقى من بنيتها التحتية قبل فوات الأوان.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يوسّع عدوانه في الضفة.. رصاص واعتقالات وإرهاب مستوطنين