استغنت شبكة «سكاي نيوز عربية» عن خدمات الإعلامي اللبناني نديم قطيش بعد نحو عام واحد فقط من تعيينه مديرًا عامًا للشبكة، في خطوة مرّت بهدوء لافت ومن دون أي إعلان رسمي يوضح أسباب القرار أو خلفياته، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول حقيقة ما جرى داخل واحدة من أبرز المنصات الإعلامية المدعومة إماراتيًا.
وبحسب ما أوردته صحيفة «الأخبار» اللبنانية، فإن قطيش غادر منصبه خلال الأسابيع الماضية بصمت إداري كامل، وسط تكتم داخل القناة، ودون صدور أي توضيح من إدارة «سكاي نيوز عربية» أو من قطيش نفسه بشأن طبيعة المغادرة، سواء كانت استقالة طوعية أو قرارًا بإنهاء المهام. هذا الصمت، في نظر مراقبين، يعكس حساسية القرار ورغبة الإدارة في تفادي الجدل العلني حول تجربة قصيرة لكنها شديدة الاستقطاب.

تعيين مثير للانتباه
كان تعيين نديم قطيش مطلع عام 2024 قد أثار اهتمامًا واسعًا في الأوساط الإعلامية، نظرًا لسجله السياسي والإعلامي الحاد، ومواقفه المعروفة التي تتقاطع بشكل واضح مع سياسات دولة الإمارات، خاصة في ملفات التطبيع والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وجاء اختياره في إطار محاولة ضخ دماء جديدة في إدارة القناة، وتعزيز حضورها في سوق إعلامي عربي شديد التنافس.
إلا أن هذا التعيين سرعان ما تحول إلى مادة للجدل، بعدما بدا أن القناة لم تحصل فقط على مدير عام، بل على خطاب سياسي صدامي، نقل معها قطيش من موقع المذيع والمحلل إلى موقع صانع الخط التحريري.
تحولات في الخطاب التحريري
خلال فترة إدارة قطيش، شهدت «سكاي نيوز عربية» تحولات واضحة في خطابها، خصوصًا في تغطية الملفات الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها الحرب على غزة، والمقاومة الفلسطينية، والتطورات السياسية في لبنان. واتهمت القناة من قبل منتقدين بتبني سردية أقرب إلى الرواية الإسرائيلية، مع تصعيد غير مسبوق في مهاجمة فصائل المقاومة، وتقديم التطبيع بوصفه خيارًا عقلانيًا وحتميًا.
هذا التحول لم يمر دون ردود فعل، إذ واجهت القناة موجة انتقادات حادة من جمهور عربي واسع، اعتبر أن «سكاي نيوز عربية» تحولت من منصة إخبارية إلى منبر سياسي دعائي، يقوده أحد أبرز مطبّلي نظام محمد بن زايد في المشهد الإعلامي العربي.
قطيش… من إدارة إعلامية إلى عبء سياسي
زاد من حدة الجدل، الظهور العلني المتكرر لقطيش مدافعًا عن الاحتلال الإسرائيلي، وكتاباته في صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» العبرية، إضافة إلى تصريحاته التي هاجم فيها المقاومة في غزة ولبنان بلغة وصفها كثيرون بالتحريضية. ومع تصاعد الغضب الشعبي العربي جرّاء المجازر في غزة، بات هذا الخطاب عبئًا سياسيًا وإعلاميًا على القناة، بدل أن يكون مصدر قوة أو تمايز.
وتشير تسريبات إعلامية إلى أن إدارة «سكاي نيوز عربية» بدأت تدرك أن الرهان على خطاب تطبيعي فج، في هذا التوقيت الإقليمي الحساس، لم يعد مربحًا جماهيريًا، بل بات يهدد صورة القناة ونفوذها في الشارع العربي.
خلافات مالية وإدارية
إلى جانب البعد السياسي، كشفت مصادر لصحيفة «الأخبار» عن خلافات إدارية ومالية لعبت دورًا مهمًا في إنهاء تجربة قطيش. وبحسب هذه المصادر، طالب المدير العام السابق بزيادة كبيرة في ميزانية القناة، بحجة تعزيز التنافسية وتطوير المحتوى، إلا أن هذه المطالب قوبلت بتحفظ داخل الإدارة، خاصة مع تسجيل ملاحظات حول أسلوب إدارة الموارد خلال فترة توليه المنصب.
ويبدو أن الجمع بين خطاب سياسي إشكالي وتكاليف مالية مرتفعة جعل استمرار قطيش خيارًا غير مريح للإدارة، التي فضّلت إنهاء التجربة بأقل قدر ممكن من الضجيج.
سجالات علنية تزيد الأزمة
لم تقتصر الإشكاليات على داخل القناة، بل امتدت إلى الفضاء العام، عبر سجالات علنية خاضها قطيش مع إعلاميين عرب، أبرزها خلافه مع الإعلامي السعودي داوود الشريان على منصة «إكس»، والذي تحول إلى تراشق لفظي أثار انتقادات واسعة. واعتبر كثيرون أن هذا السلوك لا يليق بموقعه الإداري، ويعكس تصاعد حدة الخطاب بدل تهدئته.
نهاية بلا بيان… وأسئلة مفتوحة
ورغم أن «سكاي نيوز عربية» تواصل بث برامجها بشكل طبيعي، فإن غياب قطيش عن المشهد الإداري والإعلامي عزز من صحة الأنباء حول خروجه النهائي من منصبه، في وقت لم يُعلن فيه عن اسم البديل المحتمل، ولا عن أي تقييم رسمي للتجربة.
في المحصلة، تكشف تجربة نديم قطيش القصيرة في «سكاي نيوز عربية» حدود الرهان على الإعلام المؤدلج والتطبيل السياسي، حين يتحول الخطاب الدعائي إلى عبء لا يمكن تحمله، حتى داخل المؤسسات التي طالما وظفته لخدمة أجنداتها.
اقرأ أيضا : اهتمام إسرائيلي بتوسع الانتقالي في اليمن… شراكة إماراتية-إسرائيلية لإعادة رسم الجغرافيا