شهدت مدينة القدس المحتلة، مواجهات عنيفة وأعمال شغب واسعة بين مجموعات من المتطرفين اليهود من تيار “الحريديم” وشرطة الاحتلال الإسرائيلي، أسفرت عن إصابة عشرة من عناصر الشرطة، في مشهد يعكس تصاعد التصدعات الداخلية داخل المجتمع الإسرائيلي، بالتوازي مع استمرار جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.

مواجهات عنيفة في قلب القدس
بحسب بيان رسمي لشرطة الاحتلال، اندلعت أعمال الشغب في شارع “حنّة” بمدينة القدس عقب تحرير مخالفة بلدية، قبل أن تتطور الأحداث سريعًا إلى اعتداءات مباشرة على قوات الشرطة. وأوضحت الشرطة أن “المئات من مثيري الشغب” هاجموا عناصرها بالحجارة وأدوات حادة، ما أدى إلى إصابة عشرة جنود بجروح متفاوتة.
وأعلنت الشرطة اعتقال أربعة مشتبه بهم، متوعدة بـ”رد حازم” وفتح تحقيق لمحاسبة المتورطين، في حين أكدت هيئة البث الرسمية الإسرائيلية أن المواجهات قادها متدينون من “الحريديم” اعتدوا على الشرطة والقوات الإضافية التي جرى استدعاؤها إلى المكان.
شبهة التجنيد تشعل الشارع الحريدي
وفق هيئة البث، فإن مثيري الشغب ظنوا أن الشرطة جاءت لتنفيذ اعتقال بحق شاب حريدي “مستنكف عن الخدمة العسكرية”، ما فجّر موجة غضب عارمة وأدى إلى الإخلال بالنظام العام. هذه الحادثة ليست معزولة، بل تأتي في سياق سلسلة مواجهات شهدتها القدس ومدن أخرى خلال الأشهر الماضية بين “الحريديم” وقوات الاحتلال.
وترتبط هذه الاحتجاجات مباشرة بقرار المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر عام 2024، والذي ألزم المتدينين الحريديم بالخدمة العسكرية، ومنع تقديم الدعم المالي للمؤسسات الدينية التي يرفض طلابها التجنيد، في خطوة أثارت صدامًا مفتوحًا بين الدولة والتيار الديني المتشدد.
“الحريديم”.. كتلة سكانية خارج الإجماع
يشكل “الحريديم” نحو 13 بالمئة من مجموع المستوطنين في دولة الاحتلال، البالغ عددهم قرابة 10 ملايين نسمة. ويقوم موقفهم الرافض للتجنيد على اعتبار أن حياتهم يجب أن تُكرّس لدراسة التوراة، وأن الانخراط في الجيش والمجتمع العلماني يشكل “تهديدًا وجوديًا” لهويتهم الدينية.
وعلى مدى عقود، تهرّب أبناء هذا التيار من الخدمة العسكرية عند بلوغهم سن 18 عامًا، عبر الحصول على تأجيلات متكررة بحجة الدراسة في المعاهد الدينية، إلى أن يبلغوا سن الإعفاء، المحدد حاليًا بـ26 عامًا، وهو امتياز أثار استياءً واسعًا داخل المجتمع الإسرائيلي.
أزمة تجنيد في ظل حروب دامية
تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى حكومة بنيامين نتنياهو بسبب استمرار إعفاء “الحريديم” من التجنيد، في وقت يعاني فيه جيش الاحتلال من نقص حاد في القوى البشرية، على خلفية خوضه حروبًا دامية ومتعددة الجبهات، أبرزها حرب الإبادة في غزة، والتصعيد على جبهات لبنان وإيران.
ويرى مراقبون أن الأزمة كشفت حجم التناقض داخل المشروع الصهيوني نفسه، حيث تتصادم الدولة العسكرية الاستعمارية مع تيار ديني يعيش داخلها لكنه يرفض المشاركة في مشروعها الحربي، رغم استفادته من الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية التي توفرها.
عنف داخلي لا يحجب إجرام الاحتلال
ورغم تركيز الإعلام الإسرائيلي على إصابة عناصر الشرطة، إلا أن هذه المواجهات تعكس في جوهرها عنفًا بنيويًا داخل منظومة الاحتلال، التي لا تتورع عن استخدام القمع ضد الجميع، سواء الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال، أو حتى فئات من مجتمعها عندما تتعارض مصالحها مع سياسات الدولة.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه شرطة الاحتلال بقمع احتجاجات “الحريديم”، يواصل الجيش الإسرائيلي ارتكاب جرائم حرب ممنهجة بحق الفلسطينيين، من قتل جماعي وتدمير شامل وحصار وتجويع، في غزة والضفة الغربية، دون أي مساءلة دولية حقيقية.
تصدعات تنذر بانفجار أوسع ونجاح للمقاومة
تكشف أحداث القدس الأخيرة أن دولة الاحتلال لا تواجه فقط مقاومة فلسطينية متصاعدة، بل تعيش أيضًا حالة تصدع داخلي عميق، بين معسكر علماني يريد فرض “واجبات الدولة” بالقوة، وتيار ديني متشدد يرى نفسه فوق هذه الواجبات، وهذا ما نجحت فيه المقاومة التي استطاعت ضرب الجبهة الداخلية للاحتلال.
ويرجح محللون أن تتكرر هذه المواجهات وتتوسع، خاصة مع إصرار الحكومة على تمرير قوانين التجنيد، واستمرار الحرب التي تستنزف الجيش والمجتمع، في وقت باتت فيه صورة “الدولة الموحدة” تتآكل من الداخل، على وقع عنف لا يتوقف، سواء ضد الفلسطينيين أو داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
اقرأ أيضًا : قصف ميليشياوي يحصد أطفالًا في جنوب كردفان.. والجيش يتقدم