تشهد المنظومة الصحية في قطاع غزة واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها، أزمة لم تعد تقتصر على نقص بعض الأصناف الدوائية، بل تحولت إلى انهيار شبه كامل في منظومة الإمداد الطبي، بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي تستخدم الدواء كسلاح حصار إضافي، وتحول المرض إلى أداة قتل بطيء بحق المدنيين، حتى بعد توقف العمليات العسكرية الواسعة.

انهيار الإمدادات الدوائية داخل المستشفيات

وفق بيانات وزارة الصحة في غزة، فإن أكثر من 50% من قائمة الأدوية الأساسية نفدت بالكامل من المستودعات المركزية، بينما تجاوز العجز في المستلزمات الطبية 70%، في ظل احتياج فعلي يتجاوز ألف صنف. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة داخل المستشفيات، حيث تواجه الطواقم الطبية ضغطًا غير مسبوق نتيجة الاكتظاظ الشديد، وتكدس المرضى في الأقسام والممرات، مقابل عجز شبه تام عن تلبية الاحتياجات العلاجية.

أدوية الأمراض المزمنة، مثل السكري والضغط وأمراض القلب، اختفت من كثير من المستشفيات، ما يهدد آلاف المرضى بانتكاسات خطيرة قد تؤدي إلى الوفاة. أما مرضى السرطان وأمراض الدم، فيواجهون خطرًا مضاعفًا، مع وصول نسبة العجز في أدويتهم إلى نحو 70%، وهو ما يعني عمليًا توقف العلاج أو إعطائه بشكل متقطع، بما يحمله ذلك من نتائج كارثية.

بدائل علاجية خطِرة وخيارات قسرية

أمام هذا الانهيار، اضطرت الطواقم الطبية إلى اللجوء إلى أدوية قديمة وبروتوكولات علاجية جرى التخلي عنها سابقًا بسبب آثارها الجانبية العالية. أطباء يؤكدون أن هذه البدائل ليست آمنة، لكنها تُستخدم كخيار أخير في ظل غياب الدواء الأساسي، ما يضعهم أمام معادلة قاسية: إما تقديم علاج أقل أمانًا، أو ترك المريض دون علاج.

هذه الخيارات القسرية تهدد بشكل خاص الأطفال، وكبار السن، والمرضى الذين يعانون ضعف المناعة أو سوء التغذية، حيث قد تؤدي الأدوية البديلة إلى مضاعفات خطيرة، أو إلى فشل العلاج بالكامل، في مشهد يعكس حجم الجريمة الصحية المرتكبة بحق سكان القطاع.

الصيدليات الخاصة.. دواء نادر وسعر قاتل

خارج المستشفيات، لا يبدو الوضع أفضل حالًا. الصيدليات الخاصة تعاني من نقص حاد في الأدوية، وإن توفرت بعض الأصناف، فإنها تُباع بأسعار تفوق القدرة الشرائية لغالبية السكان، الذين يعيشون أصلًا تحت حصار اقتصادي خانق. هذا الواقع يدفع كثيرًا من المرضى إلى تقليل الجرعات أو التوقف عن العلاج، ما يحوّل أمراضًا قابلة للسيطرة إلى حالات مهددة للحياة.

ويجد المرضى أنفسهم أمام خيارات مستحيلة: إما البحث المضني عن دواء غير متوفر، أو تحمل تكلفة لا يقدرون عليها، أو الاستسلام للمرض، في ظل غياب أي شبكة أمان حقيقية.

الجراحة بلا أدوات.. خطر البتر والموت

تتجلى الأزمة بشكل أكثر خطورة في أقسام الجراحة، حيث تشير وزارة الصحة إلى وصول نسبة العجز في مستهلكات جراحة القلب إلى 100%، مع نسب مرتفعة في جراحة العظام والعيون. هذا النقص يعني عمليًا تأجيل عمليات حيوية، أو إجراؤها بإمكانات محدودة، ما يزيد من احتمالات الوفاة أو بتر الأطراف.

أطباء يحذرون من أن نقص مستلزمات جراحة العظام قد يؤدي إلى بتر أطراف كان يمكن إنقاذها، خاصة في ظل تزايد حالات الإصابات والبتر الناتجة عن الحرب، والحاجة المستمرة إلى عمليات ترميم ورعاية لاحقة.

سياسات الاحتلال.. الحصار الطبي كسلاح

في خلفية هذه الكارثة، تقف سياسات الاحتلال الإسرائيلي كعامل حاسم. فبحسب وزارة الصحة، لا تسمح إسرائيل بدخول أكثر من 30% من الاحتياج الشهري من الشاحنات الطبية، في انتهاك واضح لالتزاماتها، حتى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي. هذا السلوك يعكس نهجًا ممنهجًا يستهدف إنهاك المجتمع الفلسطيني، ليس بالقصف فقط، بل بحرمانه من أبسط مقومات الحياة.

ورغم انتهاء الحرب، تواصل إسرائيل التنصل من إدخال الكميات المتفق عليها من الأدوية والمستلزمات، ما يؤكد أن الحرب على غزة لم تكن عسكرية فحسب، بل صحية وإنسانية أيضًا، تستخدم فيها القيود والإجراءات كسلاح صامت لا يقل فتكًا عن القنابل.

تحذيرات دولية وصمت قاتل

في ظل هذا الواقع، تتصاعد التحذيرات الدولية من انهيار كامل للقطاع الصحي في غزة، وسط دعوات عاجلة للسماح بإدخال الإمدادات الطبية والمعدات المنقذة للحياة. إلا أن هذه التحذيرات تصطدم بصمت دولي وعجز واضح عن إلزام الاحتلال بواجباته القانونية تجاه السكان المدنيين.

وبينما تُرفع الشعارات الإنسانية في المحافل الدولية، يستمر مرضى غزة في دفع ثمن هذا التواطؤ، بأجسادهم وأرواحهم، في واحدة من أكثر صور الإجرام الإسرائيلي وضوحًا، حيث يتحول الدواء إلى أداة قتل بطيء، ويُترك المرضى لمصيرهم في انتظار فتح معبر، أو وصول شاحنة، قد تأتي… أو لا تأتي.

اقرأ أيضًا : حادثة مسجد ستوكهولم تكشف الإسلاموفوبيا.. والإمارات تحرّض على المسلمين