في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي جريمة جديدة على الأراضي اللبنانية، بعدما استهدفت طائرة مسيّرة حافلة صغيرة في قضاء الهرمل شرقي البلاد، ما أسفر عن استشهاد شخصين، وسط رواية إسرائيلية جاهزة تزعم “استهداف عضو في فيلق القدس الإيراني”، في محاولة لتبرير قتلٍ لا يستند إلى أي مسوغ قانوني أو عسكري واضح.

غارة على هدف مدني
بحسب وكالة الأنباء اللبنانية، فإن مسيّرة إسرائيلية قصفت حافلة على طريق حوش السيد علي في قضاء الهرمل، ما أدى إلى استشهاد شخصين نُقلا إلى مستشفى البترول في المدينة. ووفق المعطيات المتداولة، لم يُسجَّل وجود لأي نشاط عسكري في محيط الاستهداف، ما يعزز فرضية أن الغارة طالت هدفاً مدنياً بحتاً. ويأتي هذا التطور ليؤكد اتساع دائرة الاستهداف الإسرائيلي لتشمل مناطق بعيدة نسبياً عن خطوط التماس التقليدية، في مؤشر على تصعيد مدروس يتجاوز الجنوب اللبناني إلى البقاع.
الرواية الإسرائيلية: اتهام بلا دليل
سارع متحدث جيش الاحتلال إلى إعلان أن الجيش وجهاز “الشاباك” نفذا عملية في منطقة الناصرية، زاعماً استهداف “عنصر إرهابي”، قبل أن يرفع مستوى الادعاء لاحقاً بالقول إن المستهدف “عضو في فيلق القدس الإيراني”. غير أن هذه المزاعم لم تُرفق بأي أدلة موثوقة، كصور أو تسجيلات أو معلومات تفصيلية عن هوية الشخص أو طبيعة مهمته، وهو نمط بات مألوفاً في البيانات الإسرائيلية التي تُستخدم لتسويق الضربات أمام الرأي العام الدولي.
هذه الصيغة الاتهامية الجاهزة—“إرهابي” أو “فيلق القدس”—تحولت إلى شماعة سياسية وأمنية تُعلّق عليها إسرائيل اعتداءاتها، وتستثمرها لتوسيع بنك الأهداف، وربط الساحة اللبنانية بالصراع الإقليمي مع إيران، بما يبرر، وفق روايتها، انتهاك السيادة اللبنانية واستهداف العمق المدني.
سلسلة اعتداءات متواصلة
لم تكن غارة الهرمل حادثة معزولة. فقبلها بساعات، استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة في بلدة جناتا بقضاء صور جنوبي لبنان، ما أدى إلى إصابة مدني كان يمر صدفة في المكان. وتُظهر هذه الوقائع أن الاحتلال يعتمد سياسة “الضربات اليومية منخفضة الشدة”، لإبقاء لبنان تحت ضغط أمني دائم، رغم سريان وقف إطلاق النار منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه السياسة لا تستهدف تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة بقدر ما تهدف إلى فرض معادلة ردع نفسية، وإيصال رسالة مفادها أن أي منطقة لبنانية، جنوباً أو بقاعاً، يمكن أن تكون هدفاً في أي لحظة.
أرقام تكشف حجم الانتهاك
خلال العدوان الذي بدأ عام 2023 وتحوّل في 2024 إلى حرب شاملة، قتل الاحتلال أكثر من أربعة آلاف شخص وأصاب نحو 17 ألفاً. ورغم توقف العمليات الواسعة باتفاق وقف إطلاق النار، تؤكد قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) أن إسرائيل خرقت الاتفاق أكثر من عشرة آلاف مرة، ما أدى إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى بعد دخوله حيّز التنفيذ.
ولا يقتصر الانتهاك على الغارات الجوية؛ إذ لا يزال الاحتلال يسيطر على خمس تلال لبنانية استولى عليها خلال الحرب الأخيرة، إضافة إلى مناطق لبنانية أخرى محتلة منذ عقود، في خرق صارخ للسيادة وللقرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1701.
استراتيجية القتل المُقنَّع
تعكس جريمة الهرمل نمطاً ثابتاً في السلوك الإسرائيلي، يقوم على استخدام المسيّرات لتنفيذ اغتيالات أو ضربات سريعة، مع الحرص على تسويقها كعمليات “استباقية”. إلا أن الوقائع تُظهر أن هذه الضربات غالباً ما تطال مدنيين أو مركبات غير عسكرية، في إطار سياسة عقاب جماعي وترهيب ممنهج.
كما أن الإصرار على الزج باسم “فيلق القدس” في كل غارة يهدف إلى تدويل الاعتداءات، وخلق غطاء سياسي يخفف من وطأة المساءلة، ويحوّل أي اعتراض لبناني إلى جزء من صراع إقليمي أوسع.
صمت دولي مريب
رغم خطورة الخروقات المتكررة، لا يزال الموقف الدولي يراوح مكانه، بين بيانات “قلق” ودعوات عامة إلى “ضبط النفس”، دون إجراءات رادعة. هذا الصمت يمنح الاحتلال هامشاً واسعاً لمواصلة اعتداءاته، ويُفرغ وقف إطلاق النار من مضمونه، محولاً إياه إلى هدنة شكلية تُنتهك متى شاءت إسرائيل.
خلاصة
تؤكد جريمة الهرمل أن إجرام الاحتلال في لبنان لم يتوقف مع وقف إطلاق النار، بل اتخذ أشكالاً أكثر انتقائية وخطورة. وبينما تُشيَّع جثامين المدنيين، يواصل الاحتلال ترويج رواياته الأمنية، مستفيداً من غياب المحاسبة الدولية، في مشهد يكرّس واقع الإفلات من العقاب ويُنذر بتصعيد مفتوح إذا استمر هذا النهج دون ردع حقيقي.
اقرأ أيضًا : الرجال يبكون عجزًا.. مقررة أممية توثق جرائم ميليشيا الدعم السريع وضلوع الإمارات في تدمير المجتمع السوداني