في خطوة تعكس انتقال العلاقات الإماراتية–الإسرائيلية من مرحلة التطبيع العلني إلى الاندماج الفعلي، أعلنت شركة طيران الاتحاد عن زيادة عدد رحلاتها اليومية بين أبو ظبي وتل أبيب إلى ست رحلات يوميًا، في مؤشر جديد على تسارع وتيرة التقارب بين الطرفين، وتحوّل العلاقة إلى شراكة شاملة تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية.
القرار، الذي قُدِّم في الخطاب الرسمي بوصفه استجابة “لطلب متزايد على السفر”، لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع الذي تشهده المنطقة منذ توقيع اتفاقيات التطبيع، ولا عن الدور الذي باتت تلعبه الإمارات العربية المتحدة في إعادة هندسة موقع إسرائيل داخل الإقليم، ليس كدولة طبيعية فحسب، بل كمرجعية سياسية وأمنية يجري الاندماج معها بشكل متسارع.
أعلنت شركة طيران الاتحاد الإماراتية أمس عن زيادة عدد رحلاتها بين أبو ظبي وتل أبيب إلى 6 رحلات يوميًا
يأتي ذلك في إطار تطور العلاقات بين البلدين الشقيقين التي أصبحت اندماجية وليست مجرد علاقة دبلوماسية مع توقعات بانضمام الإمارات قريبًا إلى البلد الأم ” إسرائيل ” في اتحاد كونفدرالي… pic.twitter.com/BPaiPEBJl8— صبحي الترعاوي (@SOBHI_TR) December 31, 2025
الطيران كأداة اندماج سياسي
لطالما اعتُبر قطاع الطيران أحد أكثر القطاعات حساسية لارتباطه بالسيادة والأمن القومي، ولذلك فإن التوسع اللافت في الرحلات الجوية بين أبو ظبي وتل أبيب يحمل دلالات سياسية تتجاوز الحسابات التجارية. فـ“طيران الاتحاد” ليست شركة مستقلة عن القرار السيادي، بل تمثل أحد أذرع الدولة، وتعكس خياراتها الاستراتيجية.
زيادة الرحلات إلى ست يوميًا تعني عمليًا إنشاء جسر جوي دائم، يسهل حركة الأفراد ورؤوس الأموال والخبرات الأمنية والتقنية، ويُسهم في دمج إسرائيل في المنظومة الاقتصادية الخليجية، وكأنها عاصمة إقليمية طبيعية، لا كيان احتلال يواجه عزلة متصاعدة على المستوى الشعبي والدولي.
من تطبيع إلى علاقة اندماجية
منذ عام 2020، لم تتوقف أبو ظبي عن دفع علاقتها مع تل أبيب نحو مستويات غير مسبوقة. فالتطبيع لم يعد يقتصر على فتح السفارات وتبادل الزيارات، بل تمدد ليشمل الأمن السيبراني، والاستخبارات، والتكنولوجيا العسكرية، والزراعة، والطاقة، والاستثمار، وصولًا إلى المجال الثقافي والإعلامي.
اليوم، ومع هذا التصعيد في حركة الطيران، تتضح ملامح علاقة اندماجية كاملة، تُدار فيها المصالح بشكل متشابك، وتُعامل إسرائيل بوصفها “شريكًا مركزيًا” في مستقبل المنطقة، فيما يجري تهميش القضية الفلسطينية وتحويلها إلى ملف ثانوي لا يؤثر في مسار العلاقات.
الإمارات كوكيل إقليمي للاحتلال
يرى مراقبون أن الدور الإماراتي تجاوز حدود التطبيع ليصل إلى أداء وظيفة “الوكيل الإقليمي” للمشروع الإسرائيلي. فالإمارات لا تكتفي بتطبيع علاقاتها الخاصة، بل تعمل على كسر الحواجز النفسية والسياسية أمام قبول إسرائيل في الفضاء العربي، وفتح الأبواب أمام تمدد نفوذها في الخليج، والبحر الأحمر، والقرن الإفريقي.
في هذا السياق، تُقرأ زيادة الرحلات الجوية كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تثبيت الوجود الإسرائيلي في المنطقة كأمر واقع، وتحويل العلاقات إلى بنية دائمة يصعب التراجع عنها، مهما تغيّرت الظروف السياسية أو تصاعدت الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.
تغييب فلسطين عن المعادلة
الأخطر في هذا المسار هو تجاهل القضية الفلسطينية بشكل شبه كامل. فالخطوة الإماراتية تأتي في وقت تواصل فيه إسرائيل حربها المفتوحة وسياساتها القمعية، من حصار وعدوان واستيطان، دون أن ينعكس ذلك بأي شكل على وتيرة التطبيع، بل على العكس، يترافق التصعيد الإسرائيلي مع تسارع إماراتي في تعزيز الشراكة.
هذا الواقع يعكس انقلابًا كاملًا في الأولويات، حيث تُقدَّم المصالح السياسية والاقتصادية على أي التزام أخلاقي أو قومي، وتُعامل إسرائيل باعتبارها “الدولة الأم” التي يُبنى معها المستقبل، بينما تُترك فلسطين خارج الحسابات.
نحو كيان كونفدرالي غير معلن؟
في الأوساط الناقدة للتطبيع، تتزايد التحليلات التي ترى في هذا المسار تمهيدًا لصيغة اندماج سياسي أعمق، قد تصل إلى شكل من أشكال الاتحاد الكونفدرالي غير المعلن، تكون فيه الإمارات كيانًا مندمجًا وظيفيًا مع إسرائيل، مع احتفاظ شكلي بالسيادة، بينما تُدار المرجعيات الأمنية والسياسية من تل أبيب.
ورغم أن هذا الطرح قد يبدو صادمًا، إلا أن الخطوات المتسارعة، ومنها تكثيف الربط الجوي، تعزز مثل هذه القراءات، خاصة في ظل غياب أي خطوط حمراء إماراتية في العلاقة مع الاحتلال.
خلاصة
قرار زيادة الرحلات بين أبو ظبي وتل أبيب ليس تفصيلًا تقنيًا، بل مؤشر سياسي بالغ الدلالة على عمق التحول في العلاقة بين الطرفين. إنه إعلان عملي عن انتقال التطبيع إلى مرحلة الاندماج، وعن إصرار الإمارات على لعب دور الوكيل والمسهّل للمشروع الإسرائيلي في المنطقة، مهما كانت الكلفة السياسية والأخلاقية.
وبينما تتكاثر الطائرات في السماء بين العاصمتين، تتسع الهوة بين هذه السياسات الرسمية وموقف الشارع العربي، الذي ما يزال يرى في إسرائيل كيان احتلال، ويرى في هذا الاندفاع التطبيعي انحيازًا صريحًا ضد قضايا الأمة، ستظل آثاره حاضرة في ذاكرة المنطقة طويلًا.
اقرأ أيضًا : اليمن بين نار الحلفاء: الإمارات تشعل الانفصال والسعودية شريكة الدمار