في تطور قانوني وسياسي بالغ الخطورة، وصف مقرر الأمم المتحدة المعني بالنظام الدولي، جورج كاتروغالوس، عملية اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بأنها “عملية اختطاف لرئيس دولة”، تمثل انتهاكًا صارخًا ومتعدد الأبعاد للقانون الدولي.

كاتروغالوس، شدد على أن ما جرى لا يمكن تبريره بأي ذريعة قانونية أو سياسية، حتى في حال توجيه اتهامات بارتكاب “جرائم دولية خطيرة”، مؤكدًا أن رؤساء الدول يتمتعون بحصانة كاملة بموجب القانون الدولي، ولا يجوز اعتقالهم أو المساس بهم بالقوة.

خرق فاضح للسيادة والقانون الدولي

يرى المقرر الأممي أن العملية الأميركية تمثل انتهاكًا واضحًا لمبادئ السيادة وعدم استخدام القوة المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. فاعتقال رئيس دولة ذات سيادة بالقوة، خارج أي إطار قضائي دولي، يعكس – بحسب كاتروغالوس – منطق “الهيمنة العارية” بدل منطق القانون.

الأخطر من ذلك، بحسب وصفه، هو إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده ستتولى إدارة شؤون فنزويلا لفترة مقبلة، في سابقة تمثل نسفًا مباشرًا لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتحويل القانون الدولي إلى أداة انتقائية تخدم مصالح القوة العظمى فقط.

بلطجة سياسية بلغة القوة

تصريحات كاتروغالوس تضع ما جرى في خانة “البلطجة الدولية”، حيث تُستبدل القواعد القانونية بإملاءات القوة العسكرية والسياسية. فبدل اللجوء إلى الآليات الدولية – إن وُجدت – اختارت واشنطن منطق الخطف والفرض، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ مراحل التدخلات الإمبريالية.

هذا السلوك، كما يرى المقرر الأممي، لا يهدد فنزويلا وحدها، بل يضرب أساس النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الدول القوية قادرة على تجاوز كل الخطوط الحمراء دون محاسبة.

سياق أوسع لانتهاك القانون الدولي

ربط كاتروغالوس عملية فنزويلا بسلسلة أوسع من الانتهاكات التي شهدها العالم خلال الأشهر الماضية، من بينها قصف إسرائيل للبنان، والضربات الأميركية على إيران بالاشتراك مع إسرائيل، إضافة إلى ما وصفه بالإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة.

هذا السياق، وفق تحليله، يكشف عن تآكل متسارع لمبدأ المحاسبة الدولية، حيث باتت القوى الكبرى تتصرف وكأن القانون الدولي مجرد توصية أخلاقية لا أكثر، تُطبق على الضعفاء وتُعطل عندما تمس مصالح الأقوياء.

النفط والهيمنة.. الدافع الحقيقي

وفنّد كاتروغالوس المبررات التي ساقها ترامب لتبرير العملية، معتبرًا أن الحديث عن “الديمقراطية” أو “مكافحة الجريمة” ليس سوى غطاء سياسي. السبب الحقيقي، بحسب قوله، هو المخزون الهائل من النفط الذي تمتلكه فنزويلا، إلى جانب رغبة ترامب في إعادة فرض الهيمنة الأميركية في أميركا اللاتينية، حتى لو كان الثمن تدمير ما تبقى من قواعد النظام الدولي.

بهذا المعنى، تتحول فنزويلا إلى ساحة اختبار جديدة لسياسة القوة، حيث يُعاد إنتاج منطق “الحديقة الخلفية” بأسلوب أكثر فجاجة وعلنية.

هل ينهار النظام العالمي؟

حذر المقرر الأممي من أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى تقويض النظام العالمي بالكامل، لأن شرعية القانون الدولي تقوم على التزام الجميع به، لا على خضوعه لموازين القوة. ومع ذلك، عبّر عن اعتقاده بأن الأمم المتحدة – رغم ضعفها الحالي – قادرة على الصمود، لأنها “كل ما لدينا” في مواجهة منطق الغلبة، ولأن “القوة ليست الحق”.

التاريخ لا يرحم

في ختام حديثه، استدعى كاتروغالوس أمثلة تاريخية لهزائم القوة الغاشمة، مذكرًا بهزيمة الولايات المتحدة في فيتنام، وسقوط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ليؤكد أن الظلم لا يدوم، وأن الشعوب – لا الجيوش ولا العقوبات – هي من تحسم مصيرها.

وشدد على أن ما جرى في فنزويلا لا يمثل فقط انتهاكًا للقانون الدولي، بل إهانة لأي تصور للديمقراطية، لأن الشعب الفنزويلي وحده هو من يملك حق تقرير مستقبله، لا البيت الأبيض ولا أي قوة خارجية.

بهذا الموقف الحاد، لا يوجه المقرر الأممي اتهامًا لواشنطن فحسب، بل يضع النظام الدولي بأكمله أمام اختبار مصيري: إما قانون يحكم الجميع، أو عالم تحكمه بلطجة القوة.

اقرأ أيضًا : الأبيض تحت الحصار بفعل ميليشيا الدعم السريع ورعاية الإمارات الخبيثة