في مشهدٍ يعكس إحدى أكثر صور المأساة الإنسانية قسوة، أعلنت السلطات الصحية والإعلامية في قطاع غزة، اليوم الأحد، ارتفاع عدد وفيات البرد الشديد في مخيمات النزوح إلى 21 حالة وفاة، غالبيتهم من الأطفال، في نتيجة مباشرة لما وصفته جهات رسمية وحقوقية بـ«إجرام الاحتلال الإسرائيلي» وسياساته القائمة على القتل البطيء والتجويع والتشريد.
وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن 18 طفلًا من بين الضحايا لقوا حتفهم جراء موجات البرد القارس التي تضرب مخيمات الإيواء القسري، في ظل غياب شبه كامل لمقومات الحياة الأساسية، من مأوى آمن ووسائل تدفئة وأغطية شتوية. وأكد أن جميع الوفيات وقعت في صفوف نازحين أُجبروا على مغادرة منازلهم بعد تدميرها، ليجدوا أنفسهم في خيام مهترئة لا تقي من الرياح ولا تحمي من الصقيع.
وجاء الإعلان غداة وفاة الرضيع محمود الأقرع، البالغ من العمر أسبوعًا واحدًا، متأثرًا بالبرد الشديد، حيث نُقل إلى مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع وهو يعاني ارتجافًا حادًا قبل أن يفارق الحياة، وفق ما صرّح به والده. وتحوّلت قصة الرضيع إلى رمز جديد لمعاناة الأطفال في غزة، الذين يدفعون الثمن الأكبر لحرب الإبادة والحصار.
وحذّر المكتب الإعلامي من التداعيات الإنسانية الكارثية لموجات البرد الشديد التي تضرب القطاع، في ظل استمرار الإبادة الإسرائيلية والحصار الخانق، وما خلّفته من دمار واسع طال المنازل والبنية التحتية، وتهجير قسري لأكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني، معظمهم يعيشون في ظروف لا تليق بالحياة الإنسانية.
وأشار البيان إلى أن عدد الوفيات الناتجة عن البرد الشديد منذ بدء الإبادة في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى اليوم بلغ 21 شهيدًا، جميعهم من نازحي مخيمات الإيواء القسري، معتبرًا أن ارتفاع عدد الأطفال بين الضحايا مؤشر خطير على حجم الكارثة التي تهدد الفئات الأضعف في المجتمع.
منخفضات جوية فوق أنقاض الحرب
وتزامن ذلك مع بدء منخفض جوي جديد، الجمعة الماضية، مصحوب بأمطار ورياح عاصفة، حيث قالت الأرصاد الجوية الفلسطينية إن الرياح قد تصل سرعتها إلى نحو 60 كيلومترًا في الساعة، مع استمرار فرص هطول الأمطار خلال الأيام المقبلة. وحذّر المكتب الإعلامي الحكومي من أن المنخفضات الجوية اللاحقة قد ترفع أعداد الضحايا، خصوصًا في ظل انعدام وسائل التدفئة والمأوى الآمن.
وأكد المكتب أن عدد الوفيات بسبب البرد منذ بدء فصل الشتاء في ديسمبر/كانون الأول الماضي بلغ أربع حالات، في ظل غياب الأغطية والملابس الشتوية، واستمرار منع إدخال المساعدات الإنسانية بشكل كافٍ، ما يجعل كل موجة برد تهديدًا مباشرًا لحياة آلاف النازحين.
إجرام ممنهج لا يقتصر على القصف
وحمل المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة والمباشرة عن هذه الوفيات، باعتبارها امتدادًا لسياسات القتل البطيء والتجويع والتشريد، مؤكدًا أن الاحتلال لا يكتفي بالقصف المباشر، بل يحوّل الظروف الطبيعية إلى أدوات قتل عبر الحصار ومنع الإغاثة وإعادة الإعمار.
وفي السياق ذاته، قال الدفاع المدني الفلسطيني، السبت، إن المنخفض الجوي الحالي تسبب بتطاير وتضرر آلاف خيام النازحين، مشيرًا إلى أن هذه الأزمة جاءت نتيجة مباشرة لمنع الاحتلال إدخال مواد البناء وتعطيل أي جهود لإعادة الإعمار، ما فاقم معاناة السكان خلال فصل الشتاء.
وخلال المنخفضات الجوية التي ضربت القطاع منذ ديسمبر الماضي، انهارت عشرات المباني السكنية المتضررة من قصف إسرائيلي سابق، ما أدى إلى سقوط ضحايا جدد، في ظل عجز فرق الإنقاذ عن التعامل مع حجم الكارثة بسبب نقص الإمكانات.
أرقام حرب بلا نهاية
وفي موازاة ذلك، أعلنت وزارة الصحة في غزة ارتفاع حصيلة ضحايا الإبادة الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 71 ألفًا و412 شهيدًا، و171 ألفًا و314 مصابًا. وقالت الوزارة إن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الـ48 ساعة الماضية ثلاثة شهداء وتسع إصابات.
وأفادت بأن الاحتلال قتل منذ خرقه اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي 442 فلسطينيًا، وأصاب 1236 آخرين، في وقت لا تزال فيه المنظومة الصحية على شفا الانهيار.
وأمام هذا الواقع، جدّدت السلطات في غزة مطالبتها المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والحقوقية بالتحرك العاجل لتوفير مراكز إيواء آمنة، وإدخال مستلزمات التدفئة والإغاثة دون قيود، محذّرة من أن استمرار الصمت الدولي يعني مزيدًا من الأطفال الذين يموتون بردًا في خيام النزوح، تحت أنظار عالم عاجز أو متواطئ.
اقرأ أيضًا : في ذكرى الثورة.. شارع الحبيب بورقيبة يستعيد صوته ضد قمع قيس سعيّد