تشهد محافظات يمنية عدة، في مقدمتها عدن والمهرة وسقطرى، تحولات سياسية وأمنية لافتة، تعكس ملامح مرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة وتجاوز الانقسامات التي غذّتها سنوات من الصراع والتدخلات الخارجية. وجاءت هذه التحركات عقب استعادة الحكومة اليمنية السيطرة على تلك المحافظات بعد رحيل ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات، وهو ما فتح الباب أمام خطاب رسمي يركّز على الاستقرار والتنمية بدل منطق السلاح وفرض الأمر الواقع.

عدن: من ساحة صراع إلى أولوية تنموية

أكد وزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ اليافعي أن الأمن والاستقرار وتحسين الخدمات تأتي في صدارة أولويات السلطة المحلية خلال المرحلة المقبلة، في رسالة واضحة تهدف إلى طمأنة السكان بعد سنوات من الفوضى الأمنية والاغتيالات والانقسامات التي حوّلت العاصمة المؤقتة عدن إلى ساحة صراع مفتوح.

وجاءت تصريحات اليافعي خلال لقائه السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون في الرياض، حيث ناقش الطرفان مستجدات الأوضاع وسبل تعزيز التعاون الدولي لدعم مشاريع التنمية وإعادة تفعيل المؤسسات المحلية.

ويعكس هذا التوجه قناعة متنامية لدى السلطات بأن عدن لا يمكن أن تستعيد دورها السياسي والاقتصادي إلا عبر إدارة مدنية مستقرة، بعيدًا عن المليشيات والولاءات الخارجية. كما شدد المحافظ على تفعيل دور رأس المال الوطني وتعزيز الشراكة المجتمعية، في محاولة لإعادة الثقة بين المواطن والدولة بعد مرحلة طغى فيها نفوذ السلاح على حساب القانون.

المهرة: تجاوز الخلافات دون دماء

في محافظة المهرة، أعلن المحافظ محمد ياسر توجه السلطة المحلية لفتح صفحة جديدة مع جميع المكونات السياسية والاجتماعية، والعمل بروح الفريق الواحد لتجاوز خلافات الماضي. وخلال أول اجتماع للمكتب التنفيذي للمحافظة في عام 2026، جرى استعراض الجهود التي بذلت لاحتواء الأزمة الأخيرة والخروج منها بأقل كلفة ممكنة، ودون إراقة للدماء.

وتُعد تجربة المهرة دليلاً على أن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يتحقق بالحوار والتوافق المحلي. فقد ساهم خروج التشكيلات المسلحة المرتبطة بالإمارات في تخفيف التوترات التي شهدتها المحافظة، وسمح بإعادة ترتيب الأولويات نحو الأمن والتنمية بدل الاستقطاب والانقسام.

سقطرى: استعادة الهوية والسيادة

أما في أرخبيل سقطرى، فقد عقد المحافظ رأفت الثقلي اجتماعًا موسعًا مع قيادات السلطة المحلية وزعماء القبائل والمراكز السكانية، ركّز على تقييم الأوضاع العامة وسبل الحفاظ على الاستقرار في الجزيرة الاستراتيجية. وشدد الثقلي على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي وتوحيد الصف لمواجهة التحديات، داعيًا الوجهاء والمشايخ إلى الاصطفاف خلف جهود الدولة.

وتحمل سقطرى دلالة خاصة في المشهد اليمني، إذ تحولت خلال السنوات الماضية إلى نموذج صارخ للتدخل الإماراتي، سواء عبر عسكرة الجزيرة أو محاولات فرض واقع سياسي واجتماعي جديد. ومع تراجع هذا النفوذ، بدأت مؤشرات استعادة السيادة الوطنية تظهر، وسط آمال بتحويل سقطرى إلى مساحة تنمية وسياحة وبيئة، لا قاعدة نفوذ إقليمي.

الإمارات… عامل زعزعة لا استقرار

تتقاطع التطورات في عدن والمهرة وسقطرى عند خلاصة واحدة: أن أحد أبرز أسباب تزعزع الاستقرار في جنوب اليمن كان التدخل الإماراتي المباشر، عبر دعم مليشيات انفصالية وتقويض مؤسسات الدولة. فبدل المساهمة في دعم الشرعية، عملت أبوظبي على خلق كيانات مسلحة موازية، أشعلت صراعات داخلية وأدخلت الجنوب في دوامة فوضى.

ومع خروج هذه المليشيات، وعودة الحكومة بدعم التحالف بقيادة السعودية، بدأت ملامح الاستقرار تظهر تدريجيًا. ويؤكد مسؤولون محليون أن غياب النفوذ الإماراتي أتاح للسلطات التركيز على الخدمات والتنمية بدل إدارة الأزمات الأمنية.

فرصة تاريخية لمرحلة جديدة

تشير هذه التحركات إلى أن اليمن أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء محافظاته الجنوبية على أسس الدولة لا المليشيا، والتنمية لا الوصاية الخارجية. ورغم أن التحديات لا تزال كبيرة، فإن الرسالة القادمة من عدن والمهرة وسقطرى واضحة: خروج الإمارات وميليشياتها يفتح الباب أمام السلام والاستقرار. ويبقى التحدي الأكبر في قدرة الحكومة على ترجمة هذا التحول السياسي إلى واقع ملموس، يعيد ثقة المواطنين ويضع حدًا لسنوات العبث والتدخل الخارجي.

اقرأ أيضا : فشل المخطط الإماراتي لتفكيك اليمن… قائد عسكري في التحالف يصل عدن بعد استعادة الدولة