في خطوة تعكس انفتاحًا سياسيًا محسوبًا، رحّبت حركة المقاومة الإسلامية حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بتشكيل لجنة إدارة غزة، معتبرة أن بدء عملها يمكن أن يشكّل مدخلًا عمليًا لتخفيف معاناة الفلسطينيين وتهيئة الظروف لعودة الحياة إلى طبيعتها في قطاع أنهكته حرب إبادة طويلة. غير أن هذا الترحيب اقترن بتحذير واضح من محاولات إسرائيل التنصل من استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها فتح معبر رفح واستكمال الانسحاب العسكري وضمان تدفق المساعدات ومواد الإعمار.
جاءت مواقف الحركة على لسان المستشار الإعلامي لرئيس المكتب السياسي، طاهر النونو، في سياق التعليق على إعلان الولايات المتحدة بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة. وأكد النونو، في تصريحات إعلامية، أن حماس دعمت فكرة اللجنة منذ وقت مبكر، وأن تفعيلها اليوم يمثّل «خطوة عملية» نحو إنهاء حالة الشلل الإداري والإنساني في القطاع، مشددًا على استعداد الحركة لبذل كل ما يلزم لإنجاح عمل اللجنة بما يحقق الاستقرار ويخفف الأعباء عن السكان.
![]()
لجنة تكنوقراط بين الضرورة والاختبار
وفق المعطيات المتداولة، تقوم اللجنة المرتقبة على صيغة تكنوقراطية انتقالية تشرف على إدارة غزة خلال مرحلة ما بعد الحرب، ضمن إطار أوسع ناتج عن خطة أميركية مكوّنة من 20 نقطة. وبحسب ما نقلته رويترز، تتألف الهيئة من 14 عضوًا، ويرأسها علي شعث، نائب وزير سابق في السلطة الفلسطينية، عُرف بدوره في تطوير المناطق الصناعية. وتفترض الصيغة أن تعمل اللجنة تحت إشراف دولي، بما يضمن حياديتها وقدرتها على إدارة الملفات الملحّة، من المعابر إلى الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار.
من زاوية حماس، لا يُعدّ هذا المسار تنازلًا سياسيًا بقدر ما هو تعبير عن مرونة تكتيكية تستهدف حماية المجتمع الفلسطيني ومنع الفراغ الإداري. فالقبول بلجنة تكنوقراط لا يلغي، وفق رؤية الحركة، حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ولا يتعارض مع ثوابت المقاومة، بل يضع أولوية عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحياة اليومية في غزة.
استحقاقات مؤجلة وتعنت إسرائيلي
في المقابل، شدد النونو على أن العقبة الأساسية لا تكمن في تشكيل اللجنة بحد ذاته، بل في إلزام الاحتلال بتنفيذ ما وقّع عليه. وأشار إلى أن إسرائيل ما تزال تمارس القصف اليومي والاغتيالات وتوسيع مناطق السيطرة، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة تعرقل أي مسار إداري أو إنساني. واعتبر أن هذا السلوك يعكس تعنتًا متواصلًا وسعيًا للتنصل من الاتفاق عبر أدوات عسكرية وأمنية، بدل الالتزام الصريح بوقف النار ومتطلباته.
وتُعدّ قضية معبر رفح في صدارة هذه الاستحقاقات؛ إذ ترى حماس أن فتحه في الاتجاهين شرطٌ لا غنى عنه لتخفيف الأزمة الإنسانية، وضمان دخول المساعدات ومواد البناء، وتأمين حركة المرضى والجرحى. كما تؤكد الحركة أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع هو المدخل الحقيقي لأي هدوء مستدام، بعيدًا عن «وقف نار هش» تُفرغه الخروقات المتكررة من مضمونه.
الوسطاء والضمانات الدولية
تحدث النونو عن لقاءات متواصلة مع الوسطاء، تضمنت تأكيدات باستمرار المرحلة الثانية من الاتفاق، واعتبرها خطوة في الاتجاه الصحيح لتحمّل اللجنة مسؤولياتها كاملة. غير أن الحركة لا تُخفي شكوكها، مستندة إلى تجارب سابقة شهدت إخلالًا إسرائيليًا متكررًا، ما يجعل الضمانات الدولية عاملًا حاسمًا في تحويل التعهدات إلى أفعال.
وفي هذا السياق، أعلن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إطلاق المرحلة الثانية من الخطة الأميركية، مؤكدًا توقع واشنطن «الامتثال الكامل» من حماس لجميع التزاماتها، ومُلوّحًا بعواقب «وخيمة» في حال الإخلال. غير أن هذا الخطاب، بحسب مراقبين، يتجاهل اختلال ميزان الضغط، إذ يركّز على مطالب من طرف واحد، بينما يغضّ الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة.
ما بعد الحرب: سياسة فوق الركام
تأتي هذه التطورات فيما خلّفت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، التي استمرت عامين، أكثر من 71 ألف شهيد و171 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، ودمارًا طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية. وفي ظل هذا المشهد، تبدو مرونة المقاومة محاولة لفتح نافذة أمل وسط الركام، مقابل تعنت احتلال يسعى لتكريس نتائجه الميدانية سياسيًا.
خلاصة المشهد أن الترحيب الحمساوي بلجنة إدارة غزة لا ينفصل عن قراءة واقعية لتوازنات اللحظة، حيث تُقدّم المقاومة مرونة مدروسة لتخفيف الكلفة الإنسانية، فيما يبقى التحدي الأكبر في كبح التعنت الإسرائيلي وتحويل الاتفاقات المعلنة إلى التزامات نافذة. وبين هذين المسارين، يتوقف مستقبل غزة على قدرة الوسطاء والمجتمع الدولي على فرض معادلة تُنهي الحرب فعلًا، لا أن تُديرها بأدوات جديدة.
اقرأ أيضًا : واشنطن تقترب من تعيين لجنة فلسطينية لإدارة غزة… احتلال جديد بلا جنود