في تطور لافت يعكس عمق الأزمة الحقوقية والسياسية في تونس، أعلن حقوقيون وعائلات معتقلين، الأربعاء، عن تأسيس «التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين»، في خطوة تهدف إلى توحيد الجهود للدفاع عن جميع المساجين السياسيين دون إقصاء أو استثناء، في ظل تصاعد غير مسبوق لوتيرة الاعتقالات والمحاكمات ذات الطابع السياسي منذ استفراد السلطة بالحكم.

وجاء الإعلان عن التنسيقية في سياق يتسم بتدهور حاد في منسوب الحريات العامة واستقلال القضاء، وتزايد الأحكام السجنية الثقيلة بحق معارضين ونشطاء وصحفيين وحقوقيين من مختلف الخلفيات الفكرية والسياسية. ويؤكد القائمون على المبادرة أن هدفهم المركزي يتمثل في إطلاق سراح جميع المعتقلين، معتبرين أن اختلاف الانتماءات لا يلغي وحدة المأساة ولا يبرر الصمت أو التجزئة في المواجهة.

وحدة المحنة… ووحدة المواجهة

محامي الدفاع عن المعتقلين في أكثر من ملف قضائي، كريم المرزوقي، أوضح أن التنسيقية تنطلق من “وحدة المحنة الحقوقية التي تفترض وحدة المواجهة”، مشددًا على أن قضية المعتقلين “قضية جماعية واحدة”، لا يمكن التعامل معها بمنطق الملفات المعزولة أو الحسابات السياسية الضيقة. وفي تصريح خاص، أكد المرزوقي أن المحاكمات الجارية “تفتقد لأدنى ضمانات المحاكمة العادلة”، وفي مقدمتها استقلال القضاء، وهو ما يحوّل السجون إلى فضاء لعقاب سياسي أكثر منه تنفيذًا لأحكام قانونية مستقلة.

وأضاف أن معاناة المعتقلين وعائلاتهم بلغت مستوى يتطلب “تكثيف الطاقات وتجميعها وتطويرها”، معتبرًا أن التحرك الجماعي اليوم ليس خيارًا تكتيكيًا، بل “واجب أخلاقي أدنى” تجاه من يقبعون خلف القضبان بسبب مواقفهم أو نشاطهم المدني والحقوقي.

تنسيقية بلا حواجز أيديولوجية

الميزة الأبرز في الإعلان عن التنسيقية تتمثل في طابعها الجامع، إذ شدد مؤسسوها على أنها مفتوحة لكل المعتقلين وعائلاتهم ولجان مساندتهم “دون أي استثناء”، بغض النظر عن الانتماءات السياسية أو الخلفيات الأيديولوجية أو طبيعة القضايا. ويأتي هذا التأكيد ردًا ضمنيًا على محاولات سابقة لتفتيت مشهد التضامن عبر تصنيف المعتقلين أو عزل بعض الملفات عن الأخرى.

وفي هذا السياق، قال المرزوقي إن “آلة القمع شملت الجميع”، وإن كل من هو “مسجون بقرار سياسي، أو على خلفية مواقفه أو نشاطه المدني والحقوقي”، هو معني مباشرة بعمل التنسيقية. هذا الخطاب يعكس إدراكًا متناميًا بأن سياسة الاستهداف لم تعد انتقائية، بل شملت طيفًا واسعًا من المعارضين، من إسلاميين ويساريين وليبراليين ومستقلين.

لماذا الآن؟

عن توقيت الإعلان، رغم أن الاعتقالات متواصلة منذ سنوات، أوضح المرزوقي أن محاولات سابقة للتنسيق وُجدت بالفعل، غير أن “الانحراف الكبير الحاصل” واشتداد القبضة الأمنية والقضائية فرضا الحاجة إلى أقصى درجات التنسيق. فالمشهد الحالي، بحسب متابعين، لم يعد يحتمل مبادرات مشتتة أو بيانات متفرقة، بل يتطلب إطارًا جامعًا قادرًا على الاستمرارية والضغط المنظم.

ويقبع في السجون التونسية اليوم عدد كبير من السياسيين والحقوقيين من مختلف العائلات الفكرية، وتلاحقهم تهم فضفاضة، أبرزها “التآمر على أمن الدولة”، وهي تهم يرى حقوقيون أنها تُستخدم كأداة لإسكات المعارضين وتجريم العمل السياسي السلمي.

سياق قمعي يتسع

تأسيس التنسيقية لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي تعيشه تونس منذ تركيز السلطة بيد الرئيس قيس سعيّد، حيث تصاعدت الملاحقات القضائية والأحكام السجنية بحق معارضين، وسط انتقادات محلية ودولية تتحدث عن تراجع خطير في مسار الانتقال الديمقراطي. ويؤكد منتقدو السلطة أن القضاء بات أداة في يد السلطة التنفيذية، تُوظف لتصفية الخصوم السياسيين تحت غطاء قانوني.

في هذا المناخ، تبدو التنسيقية محاولة لإعادة الاعتبار للعمل الجماعي الحقوقي، وكسر حالة الخوف والعزلة التي فرضتها سنوات من القمع. كما تعكس إدراكًا بأن معركة الحرية في تونس لم تعد تخص فصيلًا بعينه، بل صارت معركة مجتمع بأكمله دفاعًا عن أبسط الحقوق، وفي مقدمتها الحق في الحرية والمحاكمة العادلة.

ما بعد الإعلان

يبقى الرهان الحقيقي أمام التنسيقية في قدرتها على تحويل هذا الإعلان إلى فعل مستدام، قادر على الضغط داخليًا وخارجيًا، وتدويل قضية المعتقلين دون الوقوع في فخ الاستقطاب. وبينما يراهن أهالي المعتقلين على أن وحدة الصف قد تُحدث فارقًا، يرى مراقبون أن السلطة ستنظر إلى هذا التحرك بعين الريبة، في ظل مسار لا يظهر حتى الآن أي استعداد للتراجع.

في المحصلة، يكشف تأسيس “التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين” عن لحظة فارقة في المشهد التونسي، عنوانها الأبرز أن القمع الواسع الذي انتهجه قيس سعيّد لم ينجح في إسكات الأصوات، بل دفعها، paradoxically، إلى البحث عن أشكال جديدة من التنظيم والمقاومة الحقوقية، عنوانها: الحرية للجميع أو لا حرية لأحد.

اقرأ أيضا : إدارة ترامب تصنّف الإخوان في لبنان ومصر والأردن «منظمات إرهابية»… قمع أميركي يُصدَّر إلى العالم