في مشهد يعكس وصول العلاقات بين الرياض وأبوظبي إلى طريق مسدود في الملف اليمني، انتقل الصراع من الغرف المغلقة إلى العلن وبصورة غير مسبوقة. فبينما كانت الإمارات تحاول تسويق رواية “الانسحاب الكامل” من اليمن في يناير 2026، جاءت الصدمة من التلفزيون الرسمي السعودي ومن السلطات المحلية في حضرموت، لتكشف عن وجه آخر لدور أبوظبي؛ دورٌ يتمحور حول زرع المتفجرات، وإدارة سجون سرية، وتأجيج الانفصال عبر “ميليشيات” خارجة عن القانون.

إن الرد الدفاعي الذي أصدرته وزارة الدفاع الإماراتية، والذي حاول تبرير وجود غرف تحت الأرض في مطار الريان بأنها “ملاجئ عسكرية”، لم ينجح في تهدئة العاصفة، بل زاد من الشكوك حول طبيعة الأجندة الإماراتية التي يراها اليمنيون والسعوديون اليوم “خنجراً في ظهر” وحدة اليمن واستقراره.

مطار الريان: من مرفق مدني إلى “غرف تعذيب” ومخازن سلاح

فجّر محافظ حضرموت، سالم الحنبشي، مفاجأة مدوية بالكشف عن ضبط كميات من الأسلحة والمتفجرات المرتبطة بالإمارات في مطار الريان بمدينة المكلا. هذا الكشف لم يكن مجرد اتهام عابر، بل جاء مدعوماً بلهجة سعودية رسمية حادة شككت في نوايا أبوظبي.

أما التبرير الإماراتي بأن الغرف المحصنة تحت الأرض هي “سكنات عسكرية وملاجئ”، فقد قوبل بسخرية واسعة في الأوساط اليمنية؛ إذ تتطابق هذه الأوصاف مع عشرات التقارير الحقوقية الدولية التي تحدثت لسنوات عن “سجون سرية” تُمارس فيها أبشع أنواع الانتهاكات بعيداً عن سيادة الدولة اليمنية. إن إصرار الإمارات على نفي هذه الحقائق، رغم توثيقها ميدانياً، يعكس استمرار نهج “التضليل” الذي تتبعه لتغطية مشروعها التوسعي.

ميليشيا “الانتقالي”: أداة أبوظبي لتمزيق الخارطة

لا يمكن فصل قضية الأسلحة في مطار الريان عن الدور الإماراتي في رعاية المجلس الانتقالي الجنوبي. فالاتهام السعودي الصريح للإمارات بـ “تهريب” رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، من عدن إلى أبوظبي، يؤكد أن الميليشيات الانفصالية ليست سوى “بيادق” تتحرك وفق ريموت كنترول إماراتي يهدف إلى:

  • تقويض الشرعية اليمنية: عبر منع المؤسسات الحكومية من العمل في عدن والمكلا.
  • فرض الانفصال بقوة السلاح: من خلال تمويل وتدريب تشكيلات عسكرية تدين بالولاء لأبوظبي لا لليمن.
  • إرباك الأمن القومي السعودي: حيث باتت الرياض ترى في التحركات الإماراتية تهديداً مباشراً لاستقرار حدودها الجنوبية وإطالة لأمد الحرب لتحقيق مكاسب جيوسياسية.

الغضب السعودي: تهديدات بـ “إجراءات غير مسبوقة”

لأول مرة منذ انطلاق “عاصفة الحزم”، يستخدم الإعلام الرسمي السعودي لغة الوعيد ضد الإمارات، مهدداً باتخاذ “إجراءات غير مسبوقة”. هذا التحول الجذري يشير إلى أن المملكة ضاقت ذرعاً بسياسة “اللعب على الحبلين” التي تمارسها أبوظبي؛ فهي تدعي الانسحاب عسكرياً، بينما تترك خلفها ترسانة من الأسلحة والميليشيات الموالية لها لضمان بقاء اليمن في حالة من الفوضى والتمزق.

إن وصف السعودية لتحركات الإمارات بأنها “محاولة لتزييف الوقائع” يضع الأخيرة في عزلة سياسية داخل المحيط الخليجي، ويؤكد أن “الأجندات المشبوهة” لتفكيك اليمن لم تعد تمر مرور الكرام فوق طاولة الرياض.

المحاسبة الدولية: شبح الملاحقة يطارد المسؤولين الإماراتيين

تصريحات المحافظ الحنبشي حول اتخاذ “كافة الإجراءات القانونية لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات”، سواء من عناصر الإمارات أو مسؤوليها، تفتح الباب أمام تدويل القضية. فحق الضحايا الذين غُيبوا في “سجون المطار” لا يسقط بالتقادم، والغطاء العسكري الذي تحاول وزارة الدفاع في أبوظبي التلحف به لن يحمي قادتها من ملاحقات “جرائم الحرب” إذا ما ثبت تورطهم في عمليات التعذيب أو دعم التخريب.

الخلاصة

تجد الإمارات نفسها اليوم في قفص الاتهام، ليس فقط أمام الشعب اليمني الذي عانى من ميليشياتها، بل أمام حليفها الأكبر “السعودية”. إن محاولات أبوظبي تصوير نفسها كضحية لـ “حملة ممنهجة” لم تعد تقنع أحداً؛ فالحقائق على الأرض في عدن والمكلا تتحدث عن مشروع يهدف إلى تحويل اليمن إلى دويلات متناحرة تخدم موانئ دبي ومطامعها الإقليمية. إن كشف “مستودعات المتفجرات” في الريان وفضيحة تهريب الزبيدي هما المسمار الأخير في نعش المصداقية الإماراتية في اليمن.

اقرأ أيضا : قناة عبرية: عودة غير مباشرة للسلطة الفلسطينية إلى غزة عبر لجنة تكنوقراط