أعاد تصريح أكاديمي إماراتي بارز الجدل مجددًا حول طبيعة الدور الذي تلعبه أبوظبي في القرن الأفريقي، بعد كشفه أن الإمارات أوقفت دعمًا ماليًا شهريًا كانت تقدمه لقوات الأمن الصومالية.

التصريح، الذي جاء في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية، فتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بحدود النفوذ الإماراتي، وأدواته، وأثره المباشر على استقرار الدول الهشة، وفي مقدمتها الصومال.

وقال الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله إن بلاده قررت وقف دعم مالي شهري يقدّر بنحو خمسة ملايين دولار، كانت أبوظبي تدفعه لقوات الأمن الصومالية لتغطية الرواتب والوقود والخدمات الطبية والغذائية. 

ولفت إلى أن هذا المبلغ يندرج ضمن حزمة دعم مالي أوسع تبلغ قيمتها نحو 200 مليون دولار قدمتها الإمارات للصومال خلال السنوات الماضية، ورغم حساسية التصريح، امتنعت السلطات الإماراتية عن التعليق الرسمي عليه، ما زاد من الغموض والشكوك حول خلفيات القرار وتوقيته.

قرار سيادي صومالي ومواجهة مفتوحة

يأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان مجلس الوزراء الصومالي إلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع دولة الإمارات، بما في ذلك الاتفاقيات الأمنية والدفاعية. ونقلت وكالة الأنباء الصومالية الرسمية عن الحكومة تأكيدها أن القرار جاء استنادًا إلى الصلاحيات الدستورية، وحمايةً لوحدة البلاد وسلامة أراضيها ونظامها الدستوري، في خطوة تعكس تصعيدًا سياسيًا غير مسبوق بين مقديشو وأبوظبي.

وأوضحت الحكومة الصومالية أن الإلغاء يشمل كافة أشكال التعاون والاتفاقيات في موانئ استراتيجية مثل بربرة وبوصاصو وكسمايو، وهي موانئ لطالما شكّلت نقاط ارتكاز أساسية للنفوذ الإماراتي في الصومال والقرن الأفريقي.

المال مقابل النفوذ

منذ سنوات، اعتمدت الإمارات على التمويل المباشر لقوات أمن محلية، خارج الأطر المؤسسية للدولة الصومالية، ما خلق بنية أمنية موازية، وفتح الباب أمام ازدواجية الولاءات. 

ويُنظر إلى وقف الرواتب اليوم بوصفه رسالة ضغط سياسية أكثر منه قرارًا ماليًا، في محاولة لمعاقبة الحكومة الصومالية على تمسكها بالسيادة ورفضها استمرار التدخلات الخارجية.

وتشير أوساط صومالية إلى أن الدعم المالي الإماراتي لم يكن يومًا “مساعدة بلا مقابل”، بل ارتبط بتوسيع النفوذ في الموانئ، والتحكم بمفاصل أمنية حساسة، بما يخدم أجندات إقليمية تتقاطع في كثير من الأحيان مع مصالح قوى الاحتلال وحلفائه في المنطقة.

“خطوات خبيثة” وتقويض الدولة

في بيان شديد اللهجة، قالت الحكومة الصومالية إن قرار إلغاء الاتفاقيات جاء استجابة “لتقارير وأدلة قوية على اتخاذ خطوات خبيثة تقوض سيادة البلاد ووحدتها الوطنية واستقلالها السياسي”. 

وأضافت أن هذه الممارسات تتعارض مع مبادئ السيادة وعدم التدخل، كما وردت في مواثيق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، وهي مواثيق تُعد الصومال طرفًا أصيلًا فيها.

وأكدت الحكومة أن هذه السياسات تتعارض كذلك مع إرادة الشعب الصومالي، الذي عبّر مرارًا عن رفضه لأي تدخلات خارجية تسعى إلى تفكيك الدولة أو تحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة.

نموذج يتكرر في أكثر من ساحة

لا ينفصل المشهد الصومالي عن نمط أوسع في السياسة الإماراتية الإقليمية، يقوم على دعم قوى محلية خارج مؤسسات الدولة، ثم استخدام هذا الدعم كورقة ضغط سياسي. هذا النموذج، الذي شوهد في اليمن وليبيا والسودان، ساهم – بحسب منتقدين – في تعميق الانقسامات الداخلية، وإطالة أمد الصراعات، بدل دعم بناء الدولة الوطنية.

وفي الحالة الصومالية، يبدو أن أبوظبي استخدمت المال والأمن لفرض وقائع سياسية على الأرض، وعندما اصطدمت بإرادة حكومية رافضة، لجأت إلى سلاح وقف التمويل، في خطوة قد تزيد من هشاشة الوضع الأمني، لكنها في الوقت نفسه تكشف طبيعة العلاقة غير المتكافئة التي حاولت الإمارات ترسيخها.

إلى أين تتجه الأزمة؟

مع إعلان مقديشو نيتها إبلاغ قرارها رسميًا للإمارات، وإخطار المنظمات الإقليمية والدولية، تدخل الأزمة مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في الصومال. وبينما تراهن الحكومة الصومالية على الشرعية الدولية، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى استعداد المجتمع الدولي لكبح سياسات تقسيم الدول وإضعافها، حين تصدر عن حلفاء نافذين.

في المحصلة، يعكس وقف الرواتب الإماراتية لقوات الأمن الصومالية أكثر من مجرد خلاف مالي؛ إنه فصل جديد في صراع السيادة والنفوذ، ودليل إضافي على أن المال السياسي، حين يُستخدم أداةً للهيمنة، يتحول من “دعم” إلى عامل تفكيك يخدم أجندات خارجية، على حساب استقرار الدول واستقلالها.

اقرأ أيضا : السعودية تواصل الإعدامات: ثلاث ضحايا جدد في الرياض