في خطوة قانونية لافتة تحمل أبعادًا سياسية وأخلاقية عميقة، تقدّمت مؤسسة هند رجب بشكوى جنائية رسمية أمام السلطات في نيويورك ضد الكوميدي الإسرائيلي غاي هوخمان، على خلفية تورطه في تفجير مسجد داخل قطاع غزة خلال خدمته كجندي احتياط في جيش الاحتلال.

الشكوى، وفق بيان المؤسسة، لم تكن رمزية أو إعلامية، بل أُرفقت بملف أدلة موسّع يتضمن توثيقًا مصورًا وشهادات وتحريضًا علنيًا على الإبادة، ما يضع القضية في إطار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وليس مجرد “سلوك فردي” كما تحاول إسرائيل دائمًا توصيف هذه الوقائع.

هذه الخطوة تعكس تحوّلًا مهمًا في مسار ملاحقة مرتكبي الجرائم في غزة، عبر نقل المواجهة من ساحات الخطاب السياسي إلى ساحات القضاء الدولي والوطني، مستفيدة من مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يتيح محاكمة مرتكبي الجرائم الجسيمة أينما وُجدوا.

من تفجير مسجد إلى عرض كوميدي: مفارقة الوقاحة

أخطر ما في القضية ليس فقط الفعل الإجرامي ذاته، بل السياق الذي جرى فيه. فالمتهم، الذي وثّق بنفسه مشاركته في تفخيخ مسجد، كان يستعد لتقديم عرض كوميدي في نيويورك، وكأن شيئًا لم يكن. هذه المفارقة الصادمة تكشف حجم التطبيع مع العنف داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يمكن للجندي أن يتحول إلى “فنان ساخر” دون أي مساءلة أخلاقية أو قانونية.

الأكثر دلالة أن هوخمان لم يُبدِ أي ندم، بل تعامل مع احتجازه السابق في كندا باعتباره “سوء تفاهم”، في حين أكدت المؤسسة أن الإفراج عنه لم يتم إلا بعد تدخل مباشر من السفارة الإسرائيلية، ما يسلّط الضوء على شبكة الحماية السياسية والدبلوماسية التي توفّرها تل أبيب لمواطنيها المتورطين في جرائم جسيمة.

القضية هنا لا تتعلق بشخص واحد، بل بثقافة كاملة تشرعن تدمير المساجد وقتل المدنيين، ثم تعيد تقديم الفاعلين بوصفهم نجومًا أو مؤثرين، في محاولة فجة لغسل الجرائم عبر الترفيه.

مؤسسة هند رجب: من الذاكرة إلى الفعل القانوني

تحمل المؤسسة اسم الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي قُتلت مع ستة من أقاربها بقصف استهدف سيارة لجؤوا إليها في يناير 2024. الاسم ليس تفصيلًا عاطفيًا، بل إعلان موقف: تحويل الضحية من رقم في الإحصاءات إلى بوصلة أخلاقية وقانونية.

تأسست المؤسسة في بروكسل، واتخذت منذ انطلاقها مسارًا واضحًا يقوم على ملاحقة العسكريين والمسؤولين الإسرائيليين عبر المحاكم الوطنية في أوروبا وأمريكا الشمالية، مستفيدة من الثغرات القانونية التي تتيح فتح ملفات جنائية خارج إطار المحكمة الجنائية الدولية.

في حالة هوخمان، لم تكتفِ المؤسسة بتقديم الشكوى، بل تابعت تحركاته، وقدّمت بلاغات متزامنة في أكثر من دولة، ما أدى إلى احتجازه واستجوابه لساعات في كندا. هذا الأسلوب يعكس تطورًا نوعيًا في عمل منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والداعمة لها، من التوثيق إلى الاشتباك القانوني المباشر.

العدالة المؤجلة وغزة تحت الحصار

تأتي هذه الخطوة في وقت لا تزال فيه غزة تعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث، في ظل حرب إبادة مستمرة بدعم أمريكي مباشر، خلّفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، معظمهم من الأطفال والنساء. ورغم الحديث عن وقف لإطلاق النار، تواصل إسرائيل خروقها اليومية، إلى جانب الحصار الخانق ومنع إدخال المساعدات الأساسية.

في هذا السياق، تكتسب ملاحقة شخص مثل هوخمان دلالة تتجاوز شخصه: إنها رسالة بأن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن محاولات الإفلات من العقاب يمكن كسرها، ولو جزئيًا، عبر القضاء الوطني حين يعجز النظام الدولي.

الشكوى المقدمة في نيويورك قد لا تؤدي فورًا إلى محاكمة أو إدانة، لكنها تفتح مسارًا طويل النفس، وتراكم ضغطًا قانونيًا ومعنويًا على منظومة الحصانة الإسرائيلية. وهي، قبل كل شيء، تذكير بأن الضحايا، مثل هند رجب، لم يعودوا مجرد أسماء تُذكر في البيانات، بل باتوا وقودًا لمعركة قانونية قد تعيد تعريف معنى العدالة في زمن الإبادة.

اقرأ أيضًا : تصدع “التحالف” وانكشاف المخطط: الإمارات تحت المقصلة السعودية بتهم السجون السرية وتمزيق الدولة اليمنية