في تطور لافت يعكس عمق الصراع الخفي داخل الخليج، فجّرت اتهامات أطلقتها جهات غربية مقربة من اللوبي الصهيوني يقودها علي راشد النعيمي من جهة والإماراتي يوسف العتيبة من جهة أخرى في الولايات المتحدة جدلًا واسعًا حول الخطاب الإعلامي السعودي، بزعم وجود “تصاعد في الإشارات المعادية للسامية” داخل بعض المنابر السعودية. 

غير أن القراءة السياسية الأعمق تكشف أن هذه الحملة لا يمكن فصلها عن الدور الإماراتي المتنامي في توظيف شبكات الضغط الصهيونية والأمريكية لمهاجمة السعودية وتشويه صورتها دوليًا.

من الإعلام إلى لوبيات الضغط: معركة خارجية ضد الرياض

الهجوم لم يأتِ في سياق حقوقي أو أخلاقي بحت، بل ظهر كجزء من معركة نفوذ إقليمية انتقلت من الخلافات السياسية إلى ساحة الإعلام واللوبيات الدولية. 

فبدل الاكتفاء بالرد السياسي المباشر، اتجهت أطراف مرتبطة بالإمارات يقودها يوسف العتيبة سفير نظام بن زايد في واشنطن إلى استخدام خطاب “مكافحة معاداة السامية” كأداة ضغط ناعمة ضد السعودية.

غزة في قلب الصراع الخليجي

اللافت أن هذا التصعيد تزامن مع نشر مواد إعلامية سعودية حمّلت الإمارات مسؤولية سياسية عن دعم العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في ظل علاقاتها الوثيقة مع تل أبيب بعد اتفاقيات التطبيع. 

هذا الربط بين الإمارات والجرائم الإسرائيلية شكّل إزعاجًا حقيقيًا لأبوظبي، التي سعت – بحسب مراقبين – إلى نقل المعركة خارج الإطار العربي، واستدعاء اللوبي الصهيوني لضرب مصداقية الرواية السعودية عبر اتهامها بمعاداة السامية، وهي الحيلة التي انتهجها المتصهين علي راشد النعيمي.

التطبيع الإماراتي: درع سياسي لا شراكة سلام

منذ توقيع اتفاقيات التطبيع، لم تكتفِ الإمارات بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل، بل بنت شبكة مصالح عميقة مع مراكز نفوذ غربية ولوبيات ضغط مؤثرة. 

هذه الشبكة لم تُستخدم فقط لتحسين صورة أبوظبي دوليًا، بل تحوّلت إلى أداة هجومية تُستثمر ضد الخصوم، وفي مقدمتهم السعودية، خاصة في لحظات التوتر المرتبطة بملفات اليمن، القرن الأفريقي، والتنافس على النفوذ داخل الخليج.

خطاب “معاداة السامية” كقناع سياسي

استخدام تهمة “معاداة السامية” في هذا السياق لا يبدو معنيًا فعليًا بمواجهة خطاب كراهية، بقدر ما يعكس محاولة لتجريم أي نقد عربي للتطبيع أو أي ربط بين بعض الأنظمة العربية والعدوان الإسرائيلي. 

فالخطاب الذي يهاجم السعودية لا يستهدف حماية التعايش، بل يسعى إلى إسكات رواية سياسية مزعجة، وتحويل الصراع من نقاش حول التطبيع ودوره في الإبادة بغزة إلى اتهام أخلاقي جاهز يُستخدم لإخضاع الخصوم.

تلك الحيلة لجأ إليها بن زايد عبر أدواته في أمريكا وفي أوروبا للتحريض على السعودية، فعلى سبيل المثال لا الحصر أصدرت مؤسسة يهودية بالولايات المتحدة اصدرت بيانا ضد المملكة، تتهمها بمعاداة السامية والتي تحركت بإيعاز من يوسف العتيبة.

استهداف للتحالف السني 

للوهلة الأولى يظن الرائي أن تحركات الإمارات هي ردة فعل انتقامية مما حدث في اليمن بعدما استطاع السعودية إفساد مشروعها الانفصالي في تمزيق اليمن، لكن بن زايد الذي ترعرع على المكائد الخبيثة لا ينظر لذلك فقط.

التحركات الإماراتية والتي تأتي في القلب منها خطوة التحالف مع الهند هي تحركات تستهدف التحالف السني في المنطقة بين باكستان والسعودية ومن ورائهم تركيا.

الإمارات استجمعت أعداء المنطقة الاحتلال الإسرائيلي والهند في مقابل الحد من هذا التحالف الذي يهدد المشروع الصهيوني الذي يعمل محمد بن زايد كوكيل له في المنطقة العربية.

خلاصة المشهد: صراع نفوذ بغطاء أخلاقي

ما يجري ليس خلافًا إعلاميًا عابرًا، بل معركة نفوذ مكتملة الأركان تُدار بأدوات جديدة. الإمارات، عبر توافقها مع اللوبي الصهيوني، تحاول تحصين مشروعها الإقليمي وضرب خصومه، فيما تجد السعودية نفسها في مواجهة حملة مركبة تستخدم شعارات “التسامح” و”مكافحة الكراهية” كغطاء سياسي لهجوم منظم.

وفي ظل هذا المشهد، تتحول القضية الفلسطينية من بوصلة أخلاقية جامعة إلى ورقة صراع داخل البيت الخليجي، في وقت يدفع فيه الفلسطينيون الثمن الأكبر، بينما تتصارع العواصم على النفوذ والرواية.

اقرأ أيضًا : ترمب يلوّح بالقوة: أسطول أميركي ضخم جاهز للتحرك نحو إيران