شهدت مدينة مينابوليس بولاية مينيسوتا، مساء أمس، حادثة خطيرة تمثلت في محاولة اعتداء على النائبة الديمقراطية إلهان عمر خلال فعالية شعبية مفتوحة. ووفق روايات شهود عيان، حاول أحد الحاضرين إلقاء مادة غير معروفة باتجاهها قبل أن يتدخل المنظمون وقوات الأمن ويتمكنوا من السيطرة عليه ومنع وقوع إصابات. ورغم عدم إعلان تفاصيل دقيقة حول طبيعة المادة المستخدمة أو دوافع المهاجم حتى الآن، فإن الحادثة أعادت إلى الواجهة السؤال القديم الجديد: إلى أي حد يقود التحريض السياسي المنهجي إلى العنف المباشر؟
تحريض ترامب على إلهان عمر ينتج أول محاولة اعتداء عليها..
أمس تعرّضت لمحاولة اعتداء خلال فعالية شعبية في مدينة مينابوليس بولاية مينيسوتا.
هاجمها أحد الحاضرين محاولا إلقاء مادة غير معروفه عليها، قبل أن تتم السيطرة عليه.
ترامب يروي شجرة العنصرية البغيضة، والنتيجة عنف وانقسام مدمّر. pic.twitter.com/uigf6aH4aw— ياسر الزعاترة (@YZaatreh) January 28, 2026
سجل طويل من الاستهداف والتحريض
إلهان عمر ليست اسما عابرا في السجال السياسي الأمريكي. فهي واحدة من أبرز الأصوات التقدمية في الكونغرس، وامرأة مسلمة من أصول مهاجرة، ما جعلها هدفا دائما لحملات التشويه والكراهية. خلال السنوات الماضية، دأب دونالد ترامب على استهدافها بخطابات وتصريحات تحريضية، سواء عبر التجمعات الانتخابية أو منصاته الإعلامية، مقدما إياها كـ”خطر” و”عدو داخلي”، ومشككا في وطنيتها وانتمائها. هذا النمط من الخطاب لم يكن معزولا أو عفويا، بل جزءا من استراتيجية سياسية قائمة على شيطنة الخصوم وتحويلهم إلى أهداف مشروعة لغضب الجمهور.
من الكلام إلى الفعل: كيف يتحول التحريض إلى عنف
التحريض السياسي لا يبقى في حدود الكلمات. حين يكرر زعيم سياسي نافذ، بحجم ترامب، اتهاماته ويغذي مخاوف جمهوره عبر لغة عنصرية وإقصائية، فإنه يخلق بيئة نفسية واجتماعية مهيأة للعنف. في هذه البيئة، يشعر بعض الأفراد بأنهم مكلفون “بالدفاع” عن الأمة أو الهوية، حتى لو تطلب الأمر الاعتداء الجسدي. محاولة الاعتداء على إلهان عمر تمثل ترجمة عملية لهذا المناخ، حيث يتحول الخطاب العدائي إلى فعل مباشر يستهدف حياة أشخاص منتخبين ديمقراطيا.
ترامب وشجرة العنصرية
يمكن وصف خطاب ترامب بأنه عملية ريّ مستمرة لشجرة العنصرية البغيضة في المجتمع الأمريكي. فهو لا يكتفي بتطبيع الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين والأقليات، بل يعيد إنتاجها كأداة سياسية رابحة. خلال حملاته، استخدم عبارات تحقيرية، وأطلق اتهامات جماعية، وربط الهجرة والجريمة والإرهاب، ما عمّق الانقسامات العرقية والدينية. والنتيجة كانت تصاعدا ملحوظا في جرائم الكراهية، واستهدافا متزايدا لسياسيين ونشطاء وصحفيين ينتمون إلى هذه الفئات.
إجرام سياسي لا يقل خطورة عن العنف المباشر
خطورة ترامب لا تكمن فقط في سياساته، بل في إجرامه الخطابي الذي يشرعن العنف دون أن يمارسه بيده. فهو يدرك تماما تأثير كلماته على جمهوره، ومع ذلك يواصل استخدامها لتحقيق مكاسب انتخابية، غير مكترث بالعواقب. هذا الشكل من الإجرام السياسي يزعزع أسس الديمقراطية، لأنه يحول المنافسة السياسية إلى صراع وجودي، ويستبدل النقاش العام بالتهديد والترهيب.
الانقسام المدمّر وتآكل المجال العام
محاولة الاعتداء على إلهان عمر ليست حادثة معزولة، بل حلقة في سلسلة طويلة من العنف المرتبط بالاستقطاب الحاد في الولايات المتحدة. خطاب التحريض يؤدي إلى تآكل المجال العام، حيث يصبح الحوار مستحيلا، وتُختزل السياسة في معادلة “نحن ضدهم”. هذا الانقسام لا يهدد سلامة الأفراد فحسب، بل يهدد أيضا استقرار النظام السياسي نفسه، ويفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والعنف.
ما بعد الحادثة: مسؤولية الدولة والمجتمع
تفرض هذه الواقعة على المؤسسات الأمريكية، من أجهزة أمنية وقضائية وإعلامية، مسؤولية مضاعفة. فحماية المسؤولين المنتخبين لا تنفصل عن محاسبة من يغذي الكراهية ويحرّض عليها. كما أن المجتمع المدني مطالب بمواجهة خطاب العنصرية والتطرف، وعدم التعامل معه كجزء طبيعي من اللعبة السياسية. فالتغاضي عن التحريض اليوم يعني دفع ثمن أكبر غدا.
خلاصة
ما جرى في مينيسوتا رسالة تحذير واضحة: عندما يُسمح لسياسي مثل ترامب بأن يزرع الكراهية بلا رادع، فإن الثمار تكون عنفا وانقساما وتهديدا مباشرا للأرواح. محاولة الاعتداء على إلهان عمر ليست سوى نتيجة منطقية لمسار طويل من التحريض، ومسؤولية هذا العنف لا تقع على المنفذ وحده، بل على من صنع المناخ الذي شجعه وشرعنه.
اقرأ أيضًا : الجيش السوداني يفك حصار الدلنج.. ضربة موجعة لميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا في جنوب كردفان