شهد قطاع غزة خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة تصعيدًا داميًا جديدًا، أعاد إلى الواجهة حقيقة سلوك الاحتلال الإسرائيلي القائم على القتل المنهجي، حتى في ظل اتفاق معلن لوقف إطلاق النار. فقد أسفرت الغارات الجوية وإطلاق النار المباشر عن استشهاد نحو 37 فلسطينيًا، معظمهم من المدنيين، في خروقات وُصفت بالأوسع منذ أسابيع.
هذه التطورات جاءت في وقت يُفترض فيه أن يسود الهدوء النسبي، خصوصًا مع الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الاتفاق وحدود التزام الاحتلال به.
خارج الخط الأصفر
تشير المعطيات الميدانية إلى أن غالبية الشهداء سقطوا في مناطق تقع خارج ما يُعرف بـ“الخط الأصفر”، وهو الخط الذي حدده الاتفاق كفاصل بين مناطق انتشار جيش الاحتلال والمناطق المسموح للفلسطينيين بالحركة فيها. هذا الواقع يعكس بوضوح أن عمليات القتل لم تكن نتيجة “احتكاك” أو “تجاوز حدود” كما يدّعي الاحتلال، بل استهدافًا مباشرًا لمناطق يُفترض أنها آمنة نسبيًا.
وبحسب الاتفاق، يحتفظ الاحتلال بالسيطرة على نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع شرقيًا، فيما يُسمح للفلسطينيين بالحركة غربًا، إلا أن الوقائع الميدانية تؤكد أن هذا التقسيم بات بلا قيمة عملية.
مجازر متتالية
توزعت الهجمات الإسرائيلية على مناطق عدة في القطاع، وأسفرت عن مجازر متتابعة. ففي شمال غزة، استُهدف مركز شرطة الشيخ رضوان بقصف جوي عنيف أدى إلى استشهاد 13 فلسطينيًا، مع بقاء آخرين تحت الأنقاض. وفي حي الرمال، قُصفت شقة سكنية فجرًا، ما أسفر عن استشهاد خمسة فلسطينيين، بينهم ثلاثة أطفال وسيدتان.
أما في خان يونس، فقد استُهدفت خيمة تؤوي نازحين في منطقة أصداء شمال غربي المدينة، ما أدى إلى استشهاد سبعة أفراد من عائلة واحدة، بينهم أطفال. هذه المشاهد تعكس نمطًا متكررًا من استهداف العائلات والنازحين، بعيدًا عن أي أهداف عسكرية.
سردية الاحتلال
في مقابل هذه الوقائع، يواصل جيش الاحتلال الترويج لروايته المعتادة، مدعيًا أن عملياته تستهدف “مسلحين” أو أشخاصًا حاولوا الاقتراب من مناطق محظورة. إلا أن هذه السردية تتهاوى أمام شهادات طبية وميدانية تؤكد أن الضحايا مدنيون، وأن الهجمات وقعت في مناطق منسحب منها الاحتلال بموجب الاتفاق.
حتى في الحالات التي أعلن فيها الجيش “تحييد” أشخاص، امتنعت بياناته عن توضيح ما إذا كانوا قُتلوا أم أصيبوا، قبل أن تؤكد مصادر إسرائيلية لاحقًا مقتلهم، في تناقض يعكس محاولة متعمدة لطمس الحقيقة.
اتفاق بلا حماية
منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ارتكب الاحتلال أكثر من 1450 خرقًا، أسفرت عن استشهاد 524 فلسطينيًا وإصابة نحو 1360 آخرين، وفق معطيات رسمية في غزة. هذه الأرقام تكشف أن الاتفاق لم يتحول إلى مظلة حماية للمدنيين، بل إلى غطاء سياسي يتيح للاحتلال مواصلة القتل بوتيرة محسوبة.
ورغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء المرحلة الثانية من الاتفاق منتصف كانون الثاني/ يناير 2026، والتي تشمل انسحابًا إضافيًا وبدء الإعمار، فإن الواقع الميداني يناقض هذه الوعود.
حسابات سياسية
يرتبط هذا التصعيد، بحسب مراقبين، بحسابات سياسية وأمنية داخلية لدى الاحتلال، تتعلق بملفات عالقة مثل مقاتلي كتائب القسام في رفح، والضغوط الداخلية التي تواجه الحكومة الإسرائيلية. كما أن غياب ردع دولي حقيقي يشجع تل أبيب على اختبار حدود الاتفاق، دون خشية من تبعات جدية.
في المقابل، تلتزم حركة حماس الصمت حيال بعض الأحداث، في إطار حسابات تفاوضية مع الوسطاء، ما يترك المدنيين وحدهم في مواجهة آلة القتل.
إبادة مستمرة
يأتي هذا التصعيد في سياق إبادة إسرائيلية بدأت في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 واستمرت لعامين، وأسفرت عن أكثر من 71 ألف شهيد و171 ألف جريح، فضلًا عن تدمير نحو 90 بالمئة من البنى التحتية في القطاع. وقدّرت الأمم المتحدة كلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، رقم يعكس حجم الدمار الذي خلّفه الاحتلال.
ورغم كل ذلك، لا يبدو أن المجتمع الدولي يمتلك الإرادة السياسية لوقف هذا الإجرام، ما يجعل اتفاقات وقف النار مجرد فواصل زمنية بين مجازر، لا أكثر.
اقرأ أيضًا : الإمارات تحرك لوبياتها.. العتيبة يدفع غراهام للتصعيد ضد السعودية