في اليوم الأول لإعادة فتح معبر رفح بعد شهور من الإغلاق في ظل الإبادة المستمرة، خرجت شهادة فلسطينية صادمة لتكشف ما تعرّض له العائدون إلى قطاع غزة من تنكيل وتعذيب ممنهج على يد قوات الاحتلال، في مشهد ينسف رواية “العبور الإنساني” ويعيد طرح أسئلة قاسية حول دور الأطراف الضامنة، وعلى رأسها النظام المصري.

تحقيق بالإكراه
تروي السيدة، التي عادت ضمن الدفعة الأولى، أن قوات الاحتلال قامت فور الوصول بانتقاء مجموعة من النساء من بين المسافرين، وعصبت أعينهن واقتادتهن إلى غرف تحقيق مغلقة. هناك، خضعن لاستجواب طويل بأسئلة “لا علم لهن بها”، وفق وصفها، في محاولة واضحة لانتزاع معلومات قسرًا، أو دفعهن للاعتراف بما لا يعرفن. لم يكن التحقيق إجراءً أمنيًا عابرًا، بل سياسة ترهيب تهدف لكسر الإرادة وبث الخوف في نفوس العائدين.
تهديد بالأطفال
الأخطر في الشهادة هو ما كشفته عن تهديدات مباشرة باختطاف الأطفال وحرمان الأمهات منهم. هذا السلوك، الذي يرقى إلى الابتزاز النفسي، استُخدم كأداة ضغط لإجبار النساء على التعاون. وتشير السيدة إلى محاولة ابتزاز إحدى العائدات لإجبارها على “العمل معهم كجاسوسة”، وهو ما قوبل برفض قاطع رغم التهديدات. هذه الوقائع لا تعكس فقط انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، بل تؤكد اعتماد الاحتلال على أساليب قذرة لتحويل المدنيين إلى أدوات.
تفتيش وإذلال
لم تتوقف المعاناة عند غرفة التحقيق. فالحافلة الأولى، التي ضمّت 12 مسافرًا فقط، بينهم ثلاثة أطفال والبقية من النساء، استغرقت رحلتها نحو 20 ساعة قبل الوصول إلى مجمع ناصر الطبي في خانيونس. خلال هذه الساعات، خضع الركاب لتفتيش دقيق ومتكرر، وتعرّضوا لسوء معاملة وإهانات متعمدة. وعلى شارع صلاح الدين، حيث تسيطر قوات الاحتلال، أوقفت دوريات عسكرية الحافلة مرارًا، لتكرار التفتيش والإذلال، في رسالة واضحة مفادها أن “العودة” لا تعني النجاة.
أرقام مخادعة
بحسب الخطة المعلنة لتشغيل المعبر، كان من المفترض السماح بخروج 50 مصابًا مع مرافقين، مقابل دخول 50 من العالقين في مصر. لكن الواقع جاء فاضحًا: لم يُسمح إلا بخروج خمسة مصابين فقط مع مرافقيهم. هذا التلاعب بالأرقام يشي بتواطؤ عملي مع سياسات الاحتلال، ويحوّل المعبر إلى أداة ضبط لا ممر إنساني. فتحٌ شكلي يُستخدم لتجميل المشهد دوليًا، بينما يُدار على الأرض بمنطق العقاب الجماعي.
شراكة بالصمت
تكشف هذه الشهادة أن الجرائم لا تُرتكب في فراغ. فاستمرار هذا النمط من التنكيل، رغم وجود طرف عربي يُفترض أنه ضامن، يطرح مسؤولية سياسية وأخلاقية على النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي. فالصمت، أو الاكتفاء بإدارة المعبر وفق اشتراطات الاحتلال، يُعد مشاركة غير مباشرة في الجريمة. حين يُسلَّم المدنيون للاحتلال ليحقق معهم ويهدد أطفالهم، وحين تُدار حركة العبور بمنطق الإملاءات الأمنية، فإن ذلك يرقى إلى شراكة بالصمت، إن لم يكن بالفعل.
في المحصلة، لا تقدم شهادة هذه الفلسطينية مجرد رواية شخصية، بل وثيقة اتهام سياسية وأخلاقية. هي تكشف أن معبر رفح، في صيغته الحالية، لم يكن نافذة خلاص، بل امتدادًا لمنظومة القمع. وتؤكد أن الاحتلال لا يعمل وحده، بل يستند إلى شبكة من الترتيبات الإقليمية التي تسمح له بإدامة جرائمه. أمام هذا الواقع، يصبح السؤال واجبًا: إلى متى يُترك العائدون إلى غزة بين فكي الاحتلال، وتحت مظلة صمتٍ عربيٍّ مريب؟
اقرأ أيضًا ” ميليشيا الإمارات الانتقالي تقتحم مقر صحيفة بعدن في رسالة إرهاب صريحة