في تصعيد خطير يضاف إلى سجل الانتهاكات الإسرائيلية بحق لبنان، وجّهت الحكومة اللبنانية اتهامات مباشرة لدولة الاحتلال بتنفيذ عمليات رشّ مواد كيميائية عالية السمية فوق القرى الحدودية الجنوبية، ما أدى إلى تدمير واسع للغطاء النباتي، وإلحاق أضرار جسيمة بالتربة والمحاصيل الزراعية. هذه الخطوة، التي جاءت في سياق اعتداءات متواصلة منذ سنوات، تعكس توجهاً إسرائيلياً ممنهجاً لتحويل البيئة إلى ساحة حرب إضافية، واستهداف مقومات الحياة اليومية للسكان.

وتؤكد مصادر رسمية لبنانية أن ما جرى لم يكن نشاطاً زراعياً عادياً أو إجراءً تقنياً، بل عملية مدروسة تحمل أبعاداً عسكرية وأمنية، هدفها إفراغ المناطق الحدودية من سكانها، وإضعاف قدرتهم على الصمود في وجه الاعتداءات المستمرة.

دور اليونيفيل وتحذيرات المجتمع الدولي

كشفت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان “اليونيفيل” أن جيش الاحتلال أبلغها مسبقاً بنيته تنفيذ “نشاط جوي” لإسقاط مادة كيميائية فوق المناطق القريبة من الخط الأزرق، مدعياً أنها غير سامة. إلا أن طلبه من القوات الدولية البقاء داخل أماكن مسقوفة، وإلغاء أنشطة ميدانية عدة، يعكس إدراكه المسبق لخطورة هذه المواد.

وأكدت “اليونيفيل” أن هذا السلوك غير مقبول، ويعرض حياة أفرادها والمدنيين للخطر، كما يثير مخاوف جدية بشأن تأثيراته طويلة المدى على الأراضي الزراعية وسبل عيش السكان. ورغم هذه التحذيرات، لم تُسجل أي إجراءات رادعة دولية فعلية، ما يكرّس سياسة الإفلات من العقاب التي تتمتع بها إسرائيل.

الغليفوسات: سلاح كيميائي مقنّع

أظهرت نتائج الفحوصات التي أجرتها وزارتا البيئة والزراعة، بالتعاون مع الجيش اللبناني واليونيفيل، أن المادة المستخدمة هي مبيد الأعشاب “الغليفوسات”، المعروف عالمياً بآثاره السلبية المحتملة على الصحة والبيئة. ويُسوّق هذا المبيد تجارياً تحت اسم “Round Up”، وقد ارتبط بعشرات القضايا القضائية في دول عدة بسبب علاقته بأمراض خطيرة.

استخدام هذه المادة في مناطق مأهولة، وبطريقة جوية عشوائية، يحوّلها من أداة زراعية إلى سلاح كيميائي غير تقليدي، يُستخدم لتدمير البيئة وتهديد سلامة السكان. وتكرار استعمالها في جنوب لبنان، وريف القنيطرة، وقطاع غزة، يعكس نمطاً واضحاً في العقيدة الإسرائيلية القائمة على توظيف الأدوات الكيميائية لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية.

خسائر الزراعة والاقتصاد: أرقام تعكس حجم الكارثة

وفق تقرير مشترك أعدته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بالتعاون مع وزارة الزراعة اللبنانية والمجلس الوطني للبحوث العلمية، تكبد القطاع الزراعي اللبناني أضراراً مباشرة تُقدّر بنحو 118 مليون دولار خلال عامي 2023 و2024، إضافة إلى خسائر اقتصادية تجاوزت 586 مليون دولار.

وسجّل جنوب لبنان وسهل البقاع أعلى نسب التضرر، نتيجة القصف، والحرائق، والتجريف، والرشّ الكيميائي. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن خسائر مادية، بل عن ضربة مباشرة للأمن الغذائي، وتهديد لاستقرار آلاف العائلات التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش.

شهادات وتحذيرات: توصيف الجريمة قانونياً

في هذا السياق، شدد مستشار وزير الزراعة اللبناني السابق عبد الله ناصر الدين على أن ما حدث يمثل اعتداءً عسكرياً مباشراً، وليس حادثاً فنياً أو زراعياً. وحذّر من التسرع في توصيف المواد المستخدمة كمبيدات قبل استكمال التحقيقات العلمية، لما لذلك من تأثير على المسار القانوني لاحقاً.

ودعا ناصر الدين إلى توثيق الجريمة بدقة، وحفظ العينات وفق المعايير الدولية، وإعداد ملف قانوني متكامل يمكن تقديمه أمام الهيئات المختصة، سواء في إطار اتفاقيات حظر الأسلحة الكيميائية أو عبر المؤسسات الأممية المعنية بالجرائم البيئية. وأكد أن أي توصيف مخفف سيضعف حق لبنان في الملاحقة والمساءلة.

رشّ السموم في سياق حرب مفتوحة

لا يمكن فصل هذه الجريمة البيئية عن السياق العام للعدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. فقد أسفرت الهجمات عن استشهاد أكثر من أربعة آلاف شخص وإصابة نحو سبعة عشر ألفاً، قبل أن تتصاعد إلى حرب شاملة في أيلول/سبتمبر 2024.

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل خروقاتها، واحتلالها لعدة تلال ومناطق استراتيجية، ما يؤكد أن رشّ المواد الكيميائية يأتي ضمن استراتيجية ضغط شاملة تستهدف الإنسان والأرض معاً.

جريمة ضد الإنسان والطبيعة والسيادة

يمثل رشّ المواد السامة في جنوب لبنان نموذجاً صارخاً لإجرام الاحتلال، الذي لم يعد يكتفي بالقصف والقتل، بل يتجه إلى تدمير البيئة ومصادر الحياة. إنها جريمة مركبة، تجمع بين الاعتداء العسكري، والتخريب البيئي، وانتهاك القوانين الدولية.

وأمام هذا الواقع، تبدو مسؤولية الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي مضاعفة: إما مواجهة هذا النمط من الجرائم بسياسات حازمة وآليات محاسبة فعلية، أو الاستمرار في سياسة الصمت التي تمنح الاحتلال ضوءاً أخضر لمواصلة تحويل الجنوب اللبناني إلى أرض محروقة، بلا إنسان ولا حياة.

اقرأ أيضًا : عقوبات ترمب تحاصر الأمم المتحدة: حرب سياسية لحماية الاحتلال وإسكات العدالة