في تصعيد سياسي ودبلوماسي جديد يعكس خطورة المشهد السوداني، دانت المملكة العربية السعودية بشدة الهجمات الأخيرة التي نفذتها ميليشيا الدعم السريع ضد منشآت طبية وقوافل إغاثية ومدنيين نازحين، مؤكدة رفضها القاطع لأي تدخلات خارجية تقوم على تسليح الميليشيات أو استقدام المرتزقة، ومشددة على أن هذه السياسات تسهم في إطالة أمد الحرب وتعميق المأساة الإنسانية.
ويأتي هذا الموقف السعودي في وقت تتزايد فيه مؤشرات الانهيار الشامل في السودان، وسط تصاعد الاتهامات بوجود أدوار إقليمية تغذي الصراع، وعلى رأسها الدور الإماراتي المتهم بدعم مليشيا الدعم السريع بالسلاح والتمويل والمرتزقة.
![]()
إدانة رسمية وتحذير من تفكك الدولة
في بيان صادر عن وزارة الخارجية السعودية، وصفت الرياض الهجمات التي استهدفت مستشفى الكويك العسكري وقافلة برنامج الغذاء العالمي وحافلة النازحين في ولايتي شمال وجنوب كردفان بأنها “هجمات إجرامية” تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
وأكدت المملكة ضرورة التزام قوات الدعم السريع بواجبها الأخلاقي والإنساني في حماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات، وفقًا لما نص عليه إعلان جدة الموقع في مايو/أيار 2023، والذي تعهدت فيه الأطراف المتصارعة بحماية المدنيين والمنشآت الحيوية.
كما شددت الرياض على أن استمرار هذه الانتهاكات يهدد وحدة الدولة السودانية، ويفتح الباب أمام سيناريوهات التفكك والفوضى الشاملة، في ظل غياب أي التزام جاد بالحل السياسي.
رفض التدخلات الخارجية وسلاح المرتزقة
اللافت في البيان السعودي هو تركيزه الواضح على مسألة “التدخلات الخارجية”، و”إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب”، وهي إشارات غير مباشرة إلى الدور الذي تلعبه بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، في دعم مليشيا الدعم السريع.
وتتهم تقارير دولية وإعلامية أبوظبي بتوفير الدعم اللوجستي والمالي والعسكري للمليشيا، سواء عبر شبكات تهريب السلاح أو عبر شركات أمنية ومرتزقة، في إطار مشروع إقليمي يسعى لإعادة تشكيل النفوذ في السودان ومنطقة القرن الإفريقي.
هذا الدعم، وفق مراقبين، لم يؤدِّ سوى إلى تعقيد الصراع، وتحويل السودان إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، يدفع ثمنها المدنيون وحدهم.
تصاعد الجرائم ضد المدنيين والمنشآت الإنسانية
على الأرض، تكشف الأرقام عن حجم الكارثة. فقد أعلنت سلطات شمال كردفان مقتل 24 نازحًا في هجوم بطائرة مسيّرة استهدف حافلتهم في منطقة الرهد، بينما قُتل وأُصيب عدد من العاملين في قافلة برنامج الغذاء العالمي في مدينة الأبيض.
وقبل ذلك، أدى قصف مستشفى الكويك العسكري إلى مقتل 22 شخصًا بينهم مدير المستشفى وثلاثة من الكوادر الطبية، في واحدة من أكثر الهجمات دموية ضد القطاع الصحي منذ بداية الحرب.
هذه الاعتداءات المتكررة تعكس نمطًا ممنهجًا لاستهداف المدنيين والبنية التحتية الإنسانية، في محاولة لترهيب السكان وفرض السيطرة بالقوة، بعيدًا عن أي اعتبارات قانونية أو أخلاقية.
مواقف دولية وتزايد القلق الأمريكي
بالتوازي مع الموقف السعودي، أدانت الإدارة الأمريكية الهجوم على قافلة برنامج الغذاء العالمي، حيث شدد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، على أن واشنطن لا تتسامح مع قتل المدنيين أو تدمير المساعدات الإنسانية.
وأكد بولس أن استهداف المساعدات الممولة من الولايات المتحدة يمثل “سلوكًا مشينًا”، ويقوض أي فرص للاستقرار أو التسوية السياسية.
غير أن هذه الإدانات، وفق مراقبين، لم تُترجم حتى الآن إلى ضغوط فعلية على الأطراف الداعمة للمليشيات، ما يطرح تساؤلات حول جدية المجتمع الدولي في وقف نزيف السودان.
انهيار إنساني ومجاعة تتوسع
في سياق متصل، أطلقت مبادرة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التابعة للأمم المتحدة تحذيرًا عاجلًا من تفاقم أزمة الغذاء في السودان، مؤكدة أن نحو 34 مليون شخص باتوا بحاجة إلى مساعدات غذائية.
وأشارت التقارير إلى نزوح أكثر من 9.6 ملايين شخص، فيما يواجه أكثر من 21 مليونًا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة استهداف الأسواق وطرق الإمداد.
كما حذرت من توسع رقعة المجاعة إلى مناطق جديدة، أبرزها الفاشر وكادوقلي، في مؤشر على دخول السودان مرحلة غير مسبوقة من الانهيار المعيشي.
الدعم الإماراتي ومأزق المسؤولية الإقليمية
في خلفية هذا المشهد، تبرز الاتهامات المتزايدة للإمارات بلعب دور محوري في تسليح وتمويل مليشيا الدعم السريع، في إطار سياسة تقوم على دعم الميليشيات مقابل النفوذ السياسي والاقتصادي.
ويرى محللون أن هذا السلوك يعكس نمطًا متكررًا في سياسات أبوظبي الإقليمية، يقوم على الاستثمار في الفوضى والصراعات، من ليبيا إلى اليمن وصولًا إلى السودان، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية ولو على حساب استقرار الدول.
ويؤكد هؤلاء أن استمرار هذا النهج يضع الإمارات أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية عن الجرائم المرتكبة، ويجعلها طرفًا غير مباشر في المأساة السودانية.
ختام: تحذير سعودي ورسالة إلى الإقليم
تمثل الإدانة السعودية رسالة واضحة بأن الرياض ترفض تحويل السودان إلى ساحة حرب بالوكالة، وترفض منطق السلاح والمرتزقة كوسيلة لإدارة الصراعات.
غير أن نجاح هذا الموقف مرهون بترجمته إلى تحرك دبلوماسي ضاغط، يضع حدًا لتدفقات السلاح، ويحاسب الجهات الداعمة للمليشيات، ويدفع نحو تسوية سياسية حقيقية.
وفي ظل استمرار الجرائم وتوسع المجاعة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتحرك الإقليم والمجتمع الدولي لإنقاذ السودان، أم يتركونه رهينة لمشاريع الميليشيات وأجندات التدخل الخارجي؟
اقرأ أيضا : السيسي يكلّف مدبولي بتشكيل حكومة جديدة وبرنامج للفترة 2026–2029