تشهد مدن الضفة الغربية في الأسابيع الأخيرة موجة احتجاجات متزامنة، تعكس حالة غضب شعبي متصاعد تجاه ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، في ظل تحذيرات متكررة من مؤسسات حقوقية من تحول السجون إلى ساحات “إعدام بطيء” تمارس فيها مختلف أشكال الانتهاك والتنكيل.
وتقود هذه التحركات مؤسسات شؤون الأسرى والقوى الوطنية والإسلامية، بالتعاون مع عائلات المعتقلين، في محاولة للضغط على المجتمع الدولي، وعلى رأسه اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لتحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية، بعد سنوات من الصمت والعجز أمام سياسات الاحتلال.
![]()
حراك شعبي في مواجهة سياسة القتل البطيء
في مدن طولكرم والخليل ورام الله ونابلس، خرجت مسيرات ووقفات احتجاجية أمام مقار الصليب الأحمر، رُفعت خلالها صور الأسرى ولافتات تطالب بتدخل دولي عاجل. وعبّر المشاركون عن استيائهم من تجاهل المؤسسات الدولية لمعاناة آلاف المعتقلين، الذين يعيشون ظروفًا قاسية داخل الزنازين.
ويؤكد منظمو الفعاليات أن التحركات جاءت ردًا على تصاعد وتيرة القمع منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث شنت إدارة السجون حملة ممنهجة من التضييق والتجويع والعزل، رافقها منع الزيارات وقطع التواصل مع العائلات والمحامين.
وترى الفصائل الفلسطينية أن ما يجري ليس مجرد تجاوزات فردية، بل سياسة منظمة تهدف إلى كسر إرادة الأسرى وتحويل السجون إلى أدوات انتقام جماعي.
مشروع الإعدام وتكريس الجريمة القانونية
تزامنت الاحتجاجات مع مساعٍ إسرائيلية لتمرير قوانين تتيح إعدام الأسرى الفلسطينيين، وهو ما اعتبره حقوقيون تصعيدًا بالغ الخطورة، وانتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل انتقالًا من القتل غير المباشر عبر الإهمال والتعذيب إلى تشريع الإعدام رسميًا، في محاولة لتكريس الجريمة ضمن منظومة “قانونية” مزيفة، تُغطي بها دولة الاحتلال انتهاكاتها.
كما يؤكد ناشطون أن هذه القوانين تندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى نزع الصفة الإنسانية عن الأسرى، وتقديمهم للرأي العام الإسرائيلي باعتبارهم “أهدافًا مشروعة”، ما يسهل تمرير الجرائم بحقهم دون مساءلة.
عائلات بلا أخبار وسجون بلا رقابة
تعاني عائلات الأسرى من حرمان طويل الأمد من أي معلومات عن ذويهم، في ظل القيود المفروضة على عمل الصليب الأحمر، ومنع الزيارات منذ أكثر من عامين في بعض الحالات.
وتُظهر صور الأسرى المحررين واقعًا صادمًا، حيث يبدو عليهم الهزال الشديد، وآثار التعذيب، والأمراض الجلدية، وسوء التغذية، ما يعكس مستوى الإهمال المتعمد داخل السجون.
كما تشير شهادات أسرى محررين إلى تعرض المعتقلين للضرب والإهانة أثناء نقلهم للزيارات القانونية، ومنعهم أحيانًا من مقابلة محاميهم، في انتهاك واضح لأبسط حقوق الدفاع.
وتؤكد هذه الوقائع غياب أي رقابة دولية حقيقية، ما يتيح لإدارة السجون ممارسة الانتهاكات بعيدًا عن الأضواء.
“السجون أماكن منكوبة” وشهادات الاتهام الدولية
في كلمة خلال إحدى الوقفات، وصف رئيس نادي الأسير الفلسطيني عبد الله زغاري السجون بأنها “أماكن منكوبة”، تشهد جرائم متصاعدة تشمل التعذيب والعنف الجنسي والتجويع والإذلال الممنهج.
وحمل زغاري المجتمع الدولي والصليب الأحمر مسؤولية الصمت، معتبرًا أن هذا التقاعس شجع الاحتلال على التمادي في جرائمه، دون خشية من محاسبة أو عقاب.
وأشار إلى المفارقة في استخدام الصليب الأحمر في ملفات تبادل الأسرى أو استعادة الجثامين الإسرائيلية، مقابل منعه من أداء دوره داخل السجون الفلسطينية، ما يعكس ازدواجية المعايير الدولية.
حملة “المليون توقيع” وكسر جدار الصمت
في إطار تدويل قضية الأسرى، أطلقت الحملة العالمية “كلنا غزة.. كلنا فلسطين” مبادرة “المليون توقيع”، للمطالبة باستئناف زيارات الصليب الأحمر، وفتح السجون أمام الرقابة الدولية.
وترافق الحملة مع فعاليات في عواصم عربية وأوروبية، تهدف إلى فضح ممارسات الاحتلال، وإبراز أن ما يجري داخل السجون يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
ويؤكد القائمون على الحملة أن قضية الأسرى ليست شأنًا فلسطينيًا داخليًا، بل اختبار حقيقي لصدقية المنظومة الدولية، ولمدى التزامها بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان.
إجرام ممنهج وغياب للمساءلة
تكشف الوقائع الميدانية أن ما تمارسه سلطات الاحتلال داخل السجون ليس مجرد انتهاكات عابرة، بل سياسة إجرامية ممنهجة، تقوم على التعذيب والتجويع والإخفاء القسري والإهمال الطبي المتعمد.
ويؤكد خبراء قانونيون أن هذه الممارسات تشكل جرائم حرب، تستوجب ملاحقة المسؤولين عنها أمام المحاكم الدولية، غير أن غياب الإرادة السياسية الدولية يحول دون تحقيق العدالة.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو التحركات الشعبية وحملة “المليون توقيع” محاولة أخيرة لكسر جدار الصمت، والدفاع عن آلاف الأسرى الذين يواجهون الموت البطيء خلف القضبان، في واحدة من أبشع صور الإجرام المعاصر.
اقرأ أيضا : إعلام عبري يتحدث عن قوة دولية إندونيسية لغزة لتبييض جرائم الاحتلال