يشهد المشهد الأمني في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن حالة من الاضطراب المستمر، في ظل تعثر انتشار قوات “درع الوطن” الحكومية واستلامها المداخل والمواقع الحيوية من ميليشيا الإمارات الانفصالية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل. هذا التعثر لا يعكس خللًا ميدانيًا عابرًا، بقدر ما يكشف عن أزمة سياسية وأمنية مركبة، ترتبط بصراع النفوذ الإقليمي وتضارب المصالح داخل معسكر الشرعية نفسها.

ورغم الإعلان الرسمي عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي، لا تزال تشكيلاته المسلحة تفرض واقعًا مغايرًا على الأرض، ما يضع الحكومة أمام تحدٍ حقيقي في استعادة سلطتها داخل المدينة التي تتخذها مقرًا مؤقتًا لإدارتها.

جمود الانتشار العسكري رغم الجاهزية

بحسب مصدر يمني مطلع، لا تزال قوات “درع الوطن” متمركزة في منطقة صلاح الدين غربي عدن، منذ نهاية يناير الماضي، دون أن تتمكن من تنفيذ خطة الانتشار المتفق عليها. وأكد المصدر أن هذه القوات أنهت استعداداتها الفنية واللوجستية، وكانت على وشك استلام مداخل المدينة من ميليشيا الإمارات الانفصالية، قبل أن تتعثر العملية لأسباب غير معلنة.

ويشمل هذا التعثر نقاطًا استراتيجية تمثل شرايين الحركة الرئيسية لعدن، من بينها “نقطة العلم” شرقًا، التي تربط المدينة بمحافظة أبين، و“مصنع الحديد” شمالًا المؤدي إلى لحج، إضافة إلى نقطتي “الحسيني” و“عمران” غربًا، الرابطتين بين عدن والمديريات الساحلية.

هذا الجمود الميداني يعكس حجم النفوذ الذي ما تزال تتمتع به التشكيلات الانفصالية، رغم القرارات السياسية بحلها، ويؤكد أن السيطرة العسكرية لم تُحسم بعد لصالح الحكومة.

استمرار سيطرة الميليشيات على المواقع الحيوية

لم يقتصر التعثر على مداخل المدينة فحسب، بل امتد إلى مواقع عسكرية واقتصادية حساسة، في مقدمتها ميناء عدن الاستراتيجي، الذي ما يزال خاضعًا لسيطرة ميليشيا الإمارات الانفصالية. كما لم تتسلم القوات الحكومية سوى معسكر جبل حديد، بعد انسحاب قوات العمالقة وتسليمه لقوات حماية المنشآت.

ولا تزال معسكرات رئيسية أخرى خارج سيطرة الحكومة، مثل معسكر “رأس عباس” في البريقة، ومعسكر “بدر” الذي يضم مقر وزارة الدفاع، ومعسكري “الصولبان” و“النصر” في خور مكسر، إضافة إلى معسكر الجلاء ومعسكر اللواء الخامس شمال المدينة.

هذا الواقع الأمني يؤكد أن البنية العسكرية للميليشيات الانفصالية لم تتفكك فعليًا، وأن قرارات الحل بقيت حبرًا على ورق، دون أن تُترجم إلى إجراءات عملية على الأرض.

عرقلة عودة الحكومة وتآكل هيبة الدولة

يرى مراقبون أن بقاء عدن تحت سيطرة ميليشيا الإمارات الانفصالية يجعل عودة الحكومة الجديدة، التي أدت اليمين الدستورية مؤخرًا في الرياض، أمرًا بالغ الصعوبة في المدى المنظور. فغياب السيطرة الأمنية الكاملة يعني عمليًا أن مؤسسات الدولة ستظل رهينة لإرادة القوى المسلحة الخارجة عن سلطة الشرعية.

كما ينعكس هذا الوضع سلبًا على ثقة المواطنين في قدرة الحكومة على إدارة شؤونهم، ويعزز حالة الإحباط الشعبي من مسار “استعادة الدولة”، الذي طال أمده دون نتائج ملموسة.

ويؤكد متابعون أن أي حكومة لا تمتلك السيطرة على عاصمتها المؤقتة، تبقى حكومة منقوصة السيادة، وعاجزة عن فرض قراراتها أو تنفيذ برامجها.

خلفيات إقليمية وصراع نفوذ مكتوم

يشير المصدر المطلع إلى أن هذا التعثر يكشف جانبًا من التعقيدات التي تواجه مجلس القيادة الرئاسي، والدور السعودي الداعم له، بعد تحجيم نفوذ الإمارات جنوب اليمن وإعلان حل المجلس الانتقالي. ورغم هذا التحجيم السياسي، لا تزال أبوظبي تحتفظ بأدوات نفوذ ميدانية عبر ميليشياتها المحلية.

هذا التناقض بين الموقف السياسي والواقع العسكري يعكس صراعًا غير معلن داخل معسكر التحالف، حيث تحاول كل جهة الحفاظ على أوراق الضغط الخاصة بها، حتى في ظل الحديث عن دعم وحدة اليمن ومؤسساته.

ويبدو أن ميليشيا الإمارات الانفصالية تسعى إلى كسب الوقت، وإعادة ترتيب أوراقها، مستفيدة من حالة التردد الحكومي والحرص السعودي على تجنب انفجار المواجهة داخل عدن.

تحولات شرق اليمن وحدود التقدم نحو عدن

يأتي تعثر استلام عدن، رغم النجاحات التي حققتها القوات الحكومية المدعومة سعوديًا في محافظتي حضرموت والمهرة، حيث تم طرد التشكيلات الانفصالية المدعومة إماراتيًا، وفرض معادلة جديدة لصالح الدولة.

وقد مهد هذا التقدم الطريق نظريًا للتوسع نحو معاقل الانتقالي السابقة في الضالع ولحج، وصولًا إلى عدن. غير أن العاصمة المؤقتة ما تزال تمثل العقدة الأصعب، بسبب تعقيدات تركيبتها الأمنية وكثافة الوجود المسلح فيها.

ويؤكد مراقبون أن استعادة عدن تمثل الاختبار الحقيقي لجدية مشروع استعادة الدولة، وأن أي تراجع أو مساومة في هذا الملف سيُبقي اليمن في دائرة الانقسام والفوضى.

عدن بين وعود الحل وواقع السلاح

في المحصلة، يعكس تعثر استلام مداخل عدن استمرار سطوة ميليشيا الإمارات الانفصالية، رغم القرارات السياسية بحلها، ويكشف هشاشة الترتيبات الأمنية القائمة. كما يسلط الضوء على عمق الأزمة داخل معسكر الشرعية، وتداخل العوامل المحلية والإقليمية في رسم مستقبل المدينة.

وما لم تُترجم قرارات الحل وإعادة الهيكلة إلى خطوات عملية وحاسمة على الأرض، ستظل عدن ساحة مفتوحة للصراع، وعاصمة مؤقتة بلا سيادة حقيقية، في انتظار معادلة جديدة تعيد للدولة حضورها وهيبتها المفقودة.

اقرأ أيضًا : فنزويلا تعود إلى السوق الإسرائيلية عبر النفط تحت الوصاية الأمريكية