في تطور لافت يعكس حجم التحولات الخطيرة في مسار الحرب السودانية، كشفت تقارير استقصائية عن وجود معسكر تدريبي سري داخل الأراضي الإثيوبية مخصص لتأهيل مقاتلي قوات الدعم السريع، في خطوة اعتبرها مراقبون دليلاً مباشراً على انخراط أديس أبابا في النزاع، وتخليها عملياً عن خطاب “الحياد” الذي طالما روّجت له في المحافل الإقليمية والدولية.

هذا الكشف لا يضيف فقط بعداً جديداً للصراع، بل يضع الخرطوم أمام معادلة معقدة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وسط استمرار التدخلات الخارجية، وعلى رأسها الدور الإماراتي، في تغذية الحرب وإطالة أمدها.

معسكر “منجي”.. نهاية وهم الحياد الإثيوبي

تشير المعطيات المسربة إلى أن المعسكر المقام في منطقة “منجي” قرب الحدود السودانية تحوّل إلى منصة عسكرية متكاملة، تضم مرافق تدريب متقدمة ومراكز تحكم للطائرات المسيّرة، إضافة إلى بنية لوجستية قادرة على استيعاب آلاف المقاتلين.

وتكشف هذه المعطيات أن إثيوبيا لم تعد تكتفي بدور الوسيط أو الراعي الشكلي لمبادرات السلام، بل انتقلت إلى موقع الشريك الميداني في الحرب، عبر توفير الأرض والغطاء والتسهيلات لقوات الدعم السريع.

هذا التحول يعكس قناعة إثيوبية متنامية بأن الصراع في السودان فرصة لإعادة ترتيب موازين القوة في القرن الأفريقي، وتأمين مصالحها الاستراتيجية على حساب سيادة الدولة السودانية واستقرارها.

التمويل الإماراتي.. وقود الحرب المستمر

لا يمكن فصل معسكر “منجي” عن الدور الإماراتي المتصاعد في النزاع السوداني، إذ تشير التقارير إلى تمويل أبوظبي المباشر للموقع، وتوفيرها مدربين ودعماً لوجستياً وتقنياً، في إطار سياسة ممنهجة لدعم ميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة.

هذا الدور يندرج ضمن نمط متكرر من التدخلات الإماراتية في المنطقة، من اليمن إلى ليبيا إلى السودان، حيث تقوم أبوظبي برعاية مليشيات موازية للجيوش الوطنية، وتحويل الصراعات إلى ساحات نفوذ واستثمار سياسي وأمني.

وفي الحالة السودانية، تمثل قوات الدعم السريع الأداة الأبرز لهذا المشروع، حيث تُستخدم كقوة وظيفية لضرب مؤسسات الدولة، وتفكيك الجيش، وفتح المجال أمام ترتيبات إقليمية تخدم مصالح الخارج لا مصالح الشعب السوداني.

هل حسمت أديس أبابا موقعها في الصراع؟

يرى متابعون أن ما يجري في “منجي” يعكس انتقال إثيوبيا من سياسة “الانتظار والترقب” إلى خيار الانحياز الكامل، مدفوعة بعوامل اقتصادية وسياسية وأمنية، أبرزها حاجتها للتمويل الخارجي، ورغبتها في ضبط الحدود الغربية، وتوسيع هامش نفوذها الإقليمي.

وتبدو حكومة أبي أحمد وكأنها تراهن على انتصار الدعم السريع أو فرض واقع ميداني جديد، يسمح لها بلعب دور مركزي في “إعادة تشكيل” السودان مستقبلاً، حتى لو جاء ذلك على أنقاض دولة منهكة ومجتمع ممزق.

غير أن هذا الرهان يحمل مخاطر جسيمة، أبرزها تحويل الحدود إلى بؤرة صراع مفتوح، وجرّ المنطقة إلى دوامة عدم استقرار طويلة الأمد.

خيارات الجيش السوداني بين التصعيد والاحتواء

يضع كشف المعسكر السري القيادة العسكرية في الخرطوم أمام ثلاثة مسارات رئيسية، لكل منها كلفته ومخاطره.

الخيار الأول يتمثل في الرد العسكري المحدود، عبر استهداف خطوط الإمداد أو تنفيذ ضربات دقيقة ضد مراكز التجميع، وهو مسار قد يحقق ردعاً مؤقتاً، لكنه ينذر بتوسيع رقعة الحرب وفتح جبهة مباشرة مع إثيوبيا.

الخيار الثاني يقوم على سياسة المعاملة بالمثل، من خلال دعم حركات المعارضة الإثيوبية، وتحويل الحدود إلى ساحة استنزاف متبادل، بهدف الضغط على أديس أبابا من الداخل. غير أن هذا المسار قد يغرق المنطقة في فوضى أمنية عابرة للحدود.

أما الخيار الثالث، فيعتمد على المسار الدبلوماسي والقانوني، عبر تدويل القضية، وتقديم ملفات موثقة إلى المؤسسات الدولية والإقليمية، وفضح شبكة التمويل والدعم التي تقودها الإمارات، بما يضع إثيوبيا وأبوظبي تحت ضغط سياسي وأخلاقي متزايد.

الإمارات وميليشياتها.. مشروع تفكيك الدولة السودانية

في قلب هذا المشهد، يبرز الدور الإماراتي بوصفه العامل الأكثر تدميراً لمسار الدولة السودانية. فالدعم الذي تقدمه أبوظبي لميليشيا الدعم السريع لم يكن يوماً عفوياً أو مؤقتاً، بل جزء من استراتيجية تقوم على صناعة وكلاء محليين، وتحويلهم إلى أدوات للهيمنة الإقليمية.

وقد أسهم هذا الدعم في إطالة أمد الحرب، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، من قتل وتهجير وتجويع وتدمير للبنية التحتية، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ السودان الحديث.

ومع استمرار هذا النهج، تتحول الإمارات من “شريك إقليمي” إلى طرف رئيسي في جريمة تفكيك الدولة، وإغراق البلاد في الفوضى المنظمة.

حرب السودان.. ساحة صراع على النفوذ لا على السلطة

في المحصلة، يكشف “معسكر منجي” أن الحرب السودانية لم تعد مجرد نزاع داخلي بين جنرالين أو قوتين، بل باتت جزءاً من صراع إقليمي واسع لإعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي.

وبين التدخل الإثيوبي، والتمويل الإماراتي، وتواطؤ بعض القوى الدولية بالصمت، يجد السودان نفسه محاصراً بمشاريع خارجية تتغذى على ضعفه وانقسامه.

وأمام هذا الواقع، يبقى التحدي الأكبر أمام الخرطوم هو بناء استراتيجية شاملة، تجمع بين الصمود العسكري، والتحرك السياسي، وتوحيد الجبهة الداخلية، لكسر حلقة الوصاية الخارجية، واستعادة القرار الوطني من أيدي الميليشيات ورعاتها.

اقرأ أيضًا : إجرام الإمارات وميليشياتها في اليمن: توجيهات سرّية لنقل معتقلي التواهي وإخفائهم قسرًا