خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، بدأت وزارة العدل الأمريكية نشر دفعات جديدة من أرشيف جيفري إبستين، في عملية تفريغ تقول السلطات إنها تشمل أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من المواد المرتبطة به، أرشيف ضخم يحتوي على آلاف مقاطع الفيديو ومئات آلاف الصور والرسائل والمرفقات. ما كُشف حتى الآن ليس سوى جزء محدود مما تمتلكه الحكومة؛ إذ تعترف الجهات الرسمية بأن ملايين الوثائق الإضافية ما تزال قيد المراجعة، وأن ما أُتيح للرأي العام لا يمثل سوى شريحة ضيقة من الصورة الكاملة، مع استمرار عمليات الحجب وإخفاء الأسماء الحساسة. غير أن ما خرج إلى العلن يكفي لرسم خريطة نفوذ عابرة للقارات، تكشف كيف تتشابك الثروة والسلطة والأجهزة السياسية في الظل، وكيف تتحول الانحرافات الشخصية إلى أدوات جيوسياسية عندما تُدار بعيدًا عن أعين الجمهور.

داخل هذه الوثائق والمراسلات المتداولة، تظهر خيوط تمتد من نيويورك وفلوريدا وباريس إلى الخليج العربي، إلى دبي تحديدًا، وإلى صناديق بريد مسؤولين ودبلوماسيين في دولة الإمارات. الصورة التي ترتسم لا تتعلق بسلوك فردي معزول، بل بشبكة علاقات تضع نخبًا إماراتية في قلب منظومة نفوذ كان إبستين أحد مفاتيحها. في هذا العالم، حيث تتدفق مليارات غير قابلة للتتبع عبر مناطق حرة وشركات واجهة وصناديق سيادية، يصبح وجود وسيط مثل إبستين أمرًا مفهومًا: رجل أدين بجرائم اعتداء على قاصرات، لكنه استمر في الوصول إلى وزراء ومسؤولين ورجال أعمال كبار، بينما يهمس في أذن دبلوماسي إماراتي حول تعيينات وزارية ويتبادل معه الحديث عن صفقات موانئ تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي.

المراسلات التي خرجت من أرشيف وزارة العدل تكشف بوضوح اسم هند العويس، الدبلوماسية الإماراتية التي شغلت أدوارًا بارزة في البعثة الدائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة في نيويورك، والتي تولّت لاحقًا مواقع قيادية في لجان إماراتية معنية بحقوق الإنسان. في العلن، ظهرت هند العويس بوصفها واجهة لـ«الإمارات الحديثة»: متحدثة عن تمكين المرأة، ومدافعة عن المساواة الجندرية، ومشاركة في فعاليات تحمل شعارات الكرامة والحقوق. لكن نبرة الرسائل الإلكترونية بينها وبين جيفري إبستين تكشف وجهًا مختلفًا تمامًا. المراسلات التي تعود إلى عامي 2011 و2012 تُظهر تواصلًا متكررًا في مرحلة عودة إبستين إلى الساحة بعد خروجه من السجن، وتطرح تساؤلات مقلقة حول طبيعة العلاقة بين الطرفين.

في إحدى الرسائل المؤرخة في يناير 2012، ورد نص يقول: «تجهيز فتاة واحدة صعب بما فيه الكفاية؛ فكيف بفتاتين، يمكنك اعتبار ذلك تحديًا». وفي رسالة أخرى، يُشار إلى ترتيب لقاءات وتقديم شقيقة هند العويس إلى إبستين، بينما يرد الأخير بعبارات توحي برغبته في قضاء وقت أطول معهما. في رسالة مختلفة، يضع إبستين اسمها في سياق الحديث عن منصب وزاري مستقبلي، ملمّحًا إلى أنها ستكون «وزيرة ثقافة» بلا منافسة. هذه العبارات، وإن لم تذكر أعمارًا أو تصف أفعالًا محددة، تُقرأ في سياق سجل إبستين المعروف في استدراج القاصرات، ما يجعل التكرار واللغة المستخدمة موضع مساءلة أخلاقية وسياسية جسيمة.

المدافعون يحاولون الاحتماء بحرفية النصوص، مشيرين إلى غياب ذكر صريح لوقائع جنسية أو لأعمار محددة، غير أن السياق لا يمكن فصله عن الصورة الأشمل. دبلوماسية تعمل في نيويورك، على تماس مع دوائر الأمم المتحدة، ترتب لقاءات مع رجل كانت سمعته في استغلال الفتيات القاصرات قد أصبحت معروفة، لا يمكن وصف ذلك بأنه تواصل اجتماعي عابر. هنا تتداخل صورة «التمكين» المعلنة مع واقع رسائل تُظهر سهولة في إدخال شابات إماراتيات إلى دائرة شخص أدين بالاعتداء الجنسي. على مواقع التواصل، تصاعدت الانتقادات، ووُصفت العويس بأنها لم تكن مجرد جهة اتصال، بل مسهّلة وصول، فيما نفت أي اتهامات مباشرة تتعلق بتورط قاصرات، لكن الأسئلة بقيت مفتوحة.

في الوقت نفسه، تكشف الرسائل عن بعد سياسي واضح في تحركات إبستين داخل الخليج. في عام 2017، تظهر مراسلات يهاجم فيها قطر ويتبنى خطابًا يتقاطع مع الاستراتيجية الإماراتية والإسرائيلية في فترة الحصار، ما يعزز الانطباع بأن تواصله مع نخب خليجية لم يكن اجتماعيًا فقط، بل محمّلًا بأجندات سياسية. هذا البعد السياسي يتقاطع مع علاقاته الوثيقة بمسؤولين إسرائيليين سابقين، من بينهم إيهود باراك، الذي كان على تواصل مع إبستين في فترات متزامنة مع انفتاح إماراتي متدرج على تل أبيب قبل اتفاقيات التطبيع الرسمية.

إذا انتقلنا من الدبلوماسية إلى عالم المال والبنية التحتية، يبرز اسم سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة DP World، إحدى أكبر مشغلي الموانئ في العالم، المرتبطة بالدولة الإماراتية وتدير عشرات الموانئ من أوروبا إلى إفريقيا. الرسائل تشير إلى تبادل آلاف الرسائل بين بن سليم وإبستين على مدى أكثر من عقد، تمزج بين عبارات ذات طابع شخصي فاضح وتنسيق لقاءات نخبوية ونقاشات حول استثمارات استراتيجية. إحدى الوثائق التي أُزيل عنها الحجب بعد تدقيق برلماني أمريكي تشير إلى تبادل فيديو تعذيب، مع رد من إبستين يقول فيه إنه «أحب فيديو التعذيب»، في صدى لفضيحة قديمة تتعلق بتعذيب تاجر أفغاني في الإمارات. سواء استُخدمت هذه المواد كأدوات ابتزاز أم لا، فإن مجرد تداولها داخل هذه الدائرة يكشف طبيعة العلاقات التي كانت سائدة.

تتعمق الصورة أكثر مع ملف كسوة الكعبة. رسائل من عام 2017 تظهر أن سيدة أعمال إماراتية رتبت إرسال قطع من الكسوة إلى إبستين في الولايات المتحدة، وأن إحدى الصور تُظهر بن سليم واقفًا بجانب إبستين أمام قطعة من القماش المقدس. الكسوة، التي تحمل رمزية دينية عميقة لملايين المسلمين، تُستبدل سنويًا وتُعامل أجزاؤها السابقة كقطع ذات قيمة روحية كبيرة. أن تُرسل قطعة منها عبر شبكة علاقات إماراتية إلى منزل رجل مدان بجرائم اعتداء على قاصرات، وتُستخدم – بحسب ما تداوله – كغطاء أو سجادة، لا يُقرأ في سياق هدية عابرة، بل كصورة عن استهتار النخبة بالرمزية الدينية حين تتحول المقدسات إلى أدوات مجاملة في شبكات نفوذ مغلقة.

محور آخر يكشفه الأرشيف يتعلق بأرض الصومال، الكيان غير المعترف به دوليًا والمنفصل عن الصومال. رسائل تعود إلى ما بين 2012 و2018 تُظهر اهتمامًا مبكرًا من دائرة إبستين بمشاريع مياه واستثمارات قرب ميناء بربرة، مع وصف المنطقة بأنها تحوي «احتياطات مياه ضخمة غير مستغلة» وسهلة الشحن إلى السوق السعودية. في الوقت نفسه، كانت DP World تضخ استثمارات بمليارات الدولارات في ميناء بربرة، ضمن اتفاقيات مثيرة للجدل تتجاوز الحكومة المركزية في مقديشو. في هذا السياق، يظهر إبستين كوسيط يربط بين بن سليم ومسؤولين إسرائيليين سابقين، ويزعم امتلاكه حصة في الميناء أو نفوذًا في مرافق مجاورة في جيبوتي. سواء كانت هذه المزاعم دقيقة أم مبالغًا فيها، فإن طموحه للتموضع عند تقاطع الموانئ والاعتراف السياسي والبنية التحتية في البحر الأحمر يكشف طبيعة الرهانات.

تتقاطع هذه الخيوط مع مسار التطبيع الرسمي مع الاحتلال الإسرائيلي الذي تُوّج باتفاقيات أبراهام عام 2020، حين أعلنت الإمارات وإسرائيل إقامة علاقات دبلوماسية علنية. ما تكشفه الرسائل يوحي بأن مسارات خلفية سبقت الإعلان بسنوات، عبر لقاءات ووساطات واستثمارات، وأن شبكة إبستين تحركت داخل هذه المساحات الرمادية حيث تختلط المصالح الاقتصادية بالأمنية. اتهامات بعض ضباط الاستخبارات السابقين، مثل آري بن مناشي، بأن إبستين وماكسويل كانا جزءًا من عمليات «مصائد عسل» مرتبطة بالموساد، تبقى محل جدل ولم تُثبت بوثائق قاطعة، غير أن نمط العلاقات والابتزاز المحتمل يتقاطع مع هذا الإطار النظري.

التسلسل الزمني لشبكة إبستين الإماراتية–الإسرائيلية

  • 2009 – يرسل سلطان أحمد بن سليم إلى جيفري إبستين مقطع فيديو تعذيب؛ ويرد إبستين قائلًا: «أحببت فيديو التعذيب».
  • 2010 – يُربط اسم إبستين، في تعليقات وتحليلات، بعملية اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح في دبي، في إطار سردية أوسع عن تحرك عناصر قريبة من الاستخبارات الإسرائيلية داخل الخليج.
  • 2011–2012 – تراسل هند العويس إبستين بشأن شقيقتها وتعزيز مسارها المهني؛ وإبستين يلوّح بإيحاءات حول مستقبل وزاري لها، ويضعها في موقع وزيرة ثقافة مستقبلية للإمارات.
  • 2013 – يتوسط إبستين لعقد لقاءات بين إيهود باراك وسلطان بن سليم بخصوص استثمارات في الموانئ، مُرسِّخًا مثلثًا يربط رئيس وزراء إسرائيليًا سابقًا، وملياردير موانئ في دبي، ومجرمًا مدانًا.
  • 2017 – يمارس إبستين ضغوطًا مناهضة لقطر بما يتماشى مع الاستراتيجيات الإماراتية–الإسرائيلية، في سياق سياسات الحصار التي أعادت تشكيل تحالفات الخليج.
  • 2018 – يشارك بن سليم إبستين سردًا لتاريخ مساعي الاعتراف بأرض الصومال؛ ويتباهى إبستين بحصص في ميناء بربرة وبنفوذ في مرافق قريبة في جيبوتي.
  • 2020 – تُوقَّع اتفاقيات أبراهام، مُعلِنة تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، ومُضفية طابعًا رسميًا على علاقة كانت قد نُسجت عبر سنوات من التعاون الهادئ وتلاقي المصالح.
  • 2026 – تشير ملفات وتعليقات متداولة إلى أن إبستين تلقى تدريبًا تحت إشراف إيهود باراك في عمليات ابتزاز عالمية، جامعًا بين الانحراف الشخصي والمنفعة الاستراتيجية.

في المحصلة، لا تكشف الوثائق أفرادًا فاسدين فحسب، بل ترسم ملامح منظومة: نخب إماراتية سياسية ومالية تتقاطع مصالحها مع دوائر إسرائيلية وغربية، رجل مدان بالاعتداء على قاصرات يتحول إلى وسيط في تعيينات وموانئ واستثمارات، أراضٍ هشة مثل أرض الصومال تُطرح كمربعات على رقعة نفوذ، ومقدسات دينية تُدرج ضمن رسائل مجاملة في شبكة نفوذ مغلقة. الضحايا – الفتيات القاصرات، العمال المهاجرون في نظام الكفالة، المجتمعات الفقيرة على سواحل القرن الإفريقي – يظلون في الهامش، بينما يعاد تدوير النخب نفسها تحت عناوين «الإصلاح» و«التحديث».

أرشيف وزارة العدل لا يقدم بعد الصورة الكاملة، لكنه يكشف ما يكفي لطرح سؤال لا يمكن تجاهله: إلى أي مدى استُخدمت الانحرافات الشخصية كأدوات دولة، وإلى أي حد تورطت دوائر إماراتية عليا في شبكة كان جوهرها الابتزاز والنفوذ؟ ما سقط حتى الآن هو واجهة واحدة، أما البنية التي سمحت له بالتحرك بين قصور الخليج وقاعات الأمم المتحدة وموانئ البحر الأحمر، فما زالت قائمة، تنتظر أن تُكشف صفحاتها غير المنشورة.