في خطوة تعكس تصاعد الصراع الخفي بين حلفاء الأمس في الخليج، كشفت تقارير متقاطعة عن سعي حكومة أبوظبي إلى استقطاب جماعات ضغط أمريكية مؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)، بهدف ممارسة ضغوط غير مباشرة على السعودية، عبر إثارة ملف “معاداة السامية” وتشويهه سياسيًا. هذه الخطوة، التي جرى تسويقها في الكواليس الدبلوماسية كـ”قلق حقوقي”، تكشف في جوهرها عن استخدام ممنهج للأدوات الإعلامية واللوبيات الدولية في تصفية الحسابات الإقليمية.

تحركات سرية في واشنطن: كيف بدأت القصة؟

وفقًا لمصادر مطلعة في دوائر الضغط السياسي بواشنطن، كثفت أبوظبي خلال الأشهر الماضية اتصالاتها مع عدد من المنظمات اليهودية المؤثرة في الولايات المتحدة، مطالبة إياها بإصدار بيانات “قلق” بشأن ما وصفته بـ”تصاعد الخطاب المعادي لليهود” في السعودية.

لم تكن هذه التحركات معزولة أو عفوية، بل جاءت ضمن استراتيجية متكاملة لإعادة تشكيل صورة الصراع الخليجي في الذهن الأمريكي، من نزاع سياسي واقتصادي إلى قضية “قيمية” تمس قضايا حساسة داخل المجتمع الأمريكي، وعلى رأسها معاداة السامية.

وتشير المعطيات إلى أن الضغوط الإماراتية مورست عبر وسطاء وشركات علاقات عامة، وباستخدام قنوات دبلوماسية غير معلنة، في محاولة لدفع اللجنة اليهودية الأمريكية لتبني رواية تخدم أجندة أبوظبي.

توظيف “معاداة السامية” كسلاح سياسي

اللافت في هذه القضية هو محاولة تحويل ملف شديد الحساسية، مثل معاداة السامية، إلى أداة ابتزاز سياسي. فبدل التعامل معه كقضية أخلاقية وإنسانية، جرى توظيفه لخدمة صراع نفوذ داخل الخليج.

تسعى أبوظبي من خلال هذا الأسلوب إلى تحقيق عدة أهداف متزامنة: أولًا، تشويه صورة السعودية داخل المؤسسات الأمريكية المؤثرة. ثانيًا، خلق ضغط سياسي وإعلامي قد ينعكس على العلاقات السعودية–الأمريكية. ثالثًا، تعزيز موقع الإمارات كـ”حليف موثوق” لإسرائيل واللوبيات المرتبطة بها.

هذا النهج يعكس عقلية إدارة الأزمات في أبوظبي، القائمة على تصدير الخلافات إلى الخارج بدل حلها داخل الإطار الإقليمي، وتحويل الخصومات السياسية إلى ملفات أخلاقية مفبركة.

صراع النفوذ الخليجي: خلفية غير معلنة

لا يمكن فصل هذه التحركات عن السياق الأوسع للصراع السعودي–الإماراتي، الذي تصاعد في السنوات الأخيرة رغم الخطاب الرسمي عن “التنسيق”. الخلافات تشمل ملفات النفط داخل “أوبك+”، والاستثمارات الإقليمية، والموانئ، والممرات التجارية، إضافة إلى النفوذ في أفريقيا واليمن والقرن الأفريقي.

ومع تزايد استقلالية القرار السعودي، ومحاولة الرياض إعادة تموضعها دوليًا، شعرت أبوظبي بتراجع نسبي في وزنها الإقليمي، ما دفعها إلى البحث عن أدوات ضغط بديلة، خصوصًا في واشنطن.

هنا برز خيار استثمار العلاقة الوثيقة مع اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، باعتبارها بوابة فعالة للتأثير على دوائر صنع القرار الأمريكي.

دور اللوبيات: بين الاستقلال والضغوط

رغم الضغوط الإماراتية، تشير معلومات إلى أن اللجنة اليهودية الأمريكية تعاملت بحذر مع هذه المطالب، مدركة خطورة الانجرار إلى صراعات خليجية داخلية. فتبني رواية مسيسة قد يفقدها مصداقيتها ويحولها إلى أداة في نزاعات إقليمية.

غير أن مجرد محاولة أبوظبي دفع هذه المنظمات نحو موقف محدد، يكشف عن استعدادها لاستخدام أي ورقة متاحة، حتى لو تعارضت مع المعايير الأخلاقية التي ترفعها تلك المؤسسات.

كما يعكس ذلك اعتماد الإمارات المتزايد على “دبلوماسية اللوبيات”، بدل الدبلوماسية التقليدية، في إدارة خلافاتها.

مؤامرات الصورة والسمعة: سياسة بن زايد الثابتة

هذه الواقعة ليست استثناءً، بل تندرج ضمن نمط متكرر في سياسات محمد بن زايد، يقوم على إدارة الصراعات عبر حملات تشويه منظمة، وتوظيف الإعلام الغربي، وشركات العلاقات العامة، ومراكز الأبحاث.

سبق لأبوظبي أن استخدمت الأسلوب نفسه ضد قطر، وضد قوى سياسية عربية، وضد حركات ثورية، وضد معارضين في الخارج. واليوم، يبدو أن السعودية نفسها دخلت دائرة الاستهداف الناعم.

الهدف المركزي لهذه السياسة هو احتكار “الرواية المقبولة” في الغرب، وتقديم الإمارات كطرف عقلاني وحداثي، مقابل تصوير الآخرين كقوى متطرفة أو إشكالية.

تداعيات خطيرة على العلاقات الخليجية

محاولات توريط لوبيات أمريكية في الصراعات الخليجية تحمل مخاطر كبيرة على مستقبل العلاقات داخل مجلس التعاون. فهي تعمّق انعدام الثقة، وتحوّل الخلافات من ملفات سياسية قابلة للحل إلى صراعات دولية مفتوحة.

كما أنها تفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية في شؤون المنطقة، وتكرّس تبعية القرار الخليجي لمراكز النفوذ في واشنطن وتل أبيب.

وفي المدى البعيد، قد تؤدي هذه السياسات إلى إضعاف الموقف الخليجي الجماعي، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة.

خلاصة: سياسة الابتزاز بدل الشراكة

تكشف محاولة أبوظبي استغلال اللوبيات المؤيدة لإسرائيل ضد السعودية عن عقلية سياسية قائمة على المؤامرة والابتزاز، لا على الحوار والتكامل. فبدل البحث عن تفاهمات إقليمية مستقرة، تفضّل القيادة الإماراتية إدارة الصراعات عبر أدوات خارجية، ولو على حساب وحدة المنطقة ومصداقية القضايا الحقوقية.

في النهاية، لا يعكس هذا السلوك قوة سياسية، بل هشاشة استراتيجية، وخوفًا من فقدان النفوذ، ورغبة في تعويضه عبر تحالفات مشبوهة وصفقات خلف الكواليس. وهو نهج قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه يراكم خسائر طويلة المدى، ليس فقط لأبوظبي، بل للمنطقة بأكملها.

اقرأ أيضًا : غضب متصاعد في الضفة الغربية وحملة المليون توقيع لإنقاذ الأسرى من الإعدام الصامت