في خطوة تعكس تصاعد القلق الدولي من ارتباطات أبوظبي المشبوهة، أعلنت مؤسسة التمويل التنموي البريطانية (BII) تعليق أي استثمارات جديدة مع شركة موانئ دبي العالمية (DP World)، على خلفية ما كشفته ملفات جيفري إبستين من مراسلات وعلاقات مثيرة للجدل مع الرئيس التنفيذي للشركة سلطان أحمد بن سليم.
القرار البريطاني، الذي يأتي بعد موقف مشابه من كندا والولايات المتحدة، يفتح باباً واسعاً للتساؤلات حول مستقبل صورة الإمارات الاقتصادية والسياسية في الغرب.

صدمة بريطانية من ملفات إبستين
أوضحت مؤسسة BII، في تصريح لوسائل إعلام دولية، أنها “صُدمت” من حجم الادعاءات والمضامين الواردة في الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأميركية ضمن ما يُعرف بملفات إبستين. وأكدت المؤسسة أنها لن تضخ أي استثمارات جديدة في مشاريع مرتبطة بـDP World إلى حين اتخاذ الشركة “إجراءات مناسبة” لمعالجة الأزمة.
وتُعد BII من أبرز الأذرع الاستثمارية للحكومة البريطانية في الدول النامية، ما يمنح قرارها بعداً سياسياً يتجاوز الطابع الاقتصادي. فالتجميد لا يُقرأ فقط باعتباره موقفاً مالياً، بل رسالة سياسية تعكس تراجع الثقة في الشريك الإماراتي.
استثمارات إفريقية تحت المجهر
حالياً، تشارك المؤسسة البريطانية مع موانئ دبي العالمية في أربعة مشاريع موانئ داخل القارة الإفريقية، وهي مشاريع كانت تُسوّق باعتبارها نموذجاً للتعاون التنموي بين بريطانيا والإمارات. إلا أن هذه الشراكات باتت اليوم محل مراجعة دقيقة، في ظل تصاعد المخاوف من التبعات القانونية والأخلاقية للعلاقة مع إدارة الشركة.
ويرى مراقبون أن تعليق الاستثمارات قد يكون مقدمة لإعادة تقييم أوسع لمجمل الحضور الإماراتي في الموانئ الإفريقية، خاصة مع تزايد الانتقادات الغربية لدور أبوظبي في توظيف الاقتصاد لخدمة نفوذها السياسي والأمني.
كندا وأميركا.. تآكل الثقة الجماعي
القرار البريطاني لم يأتِ من فراغ، بل سبقه موقف مشابه من مؤسسات كندية وأميركية، اتخذت خطوات احترازية للابتعاد عن مشاريع مرتبطة بـDP World. هذا التزامن يعكس اتجاهاً غربياً متنامياً للتعامل بحذر مع الإمارات، بعد سنوات من التغاضي عن سجلها السياسي والأخلاقي مقابل المصالح الاقتصادية.
ويشير هذا التطور إلى أن ملفات إبستين لم تعد مجرد فضيحة شخصية، بل تحولت إلى أداة ضغط دولية تهدد شبكات النفوذ والعلاقات التي بنتها أبوظبي في العواصم الغربية.
مراسلات جنسية وشبهات إجرامية
تضمنت الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية مراسلات ذات طابع جنسي وإجرامي بين إبستين وعدد من الشخصيات المرتبطة بالإمارات، من بينها سلطان أحمد بن سليم. هذه الرسائل كشفت مستوى غير مسبوق من العلاقات الخاصة والمشبوهة، ما أحرج أبوظبي أمام شركائها الدوليين.
وتكمن خطورة هذه الوثائق في أنها لا تكتفي بالإشارة إلى علاقات اجتماعية، بل تلمّح إلى شبكات مصالح ونفوذ قد تكون لعبت دوراً في تبييض السمعة، وتسهيل الوصول إلى مراكز القرار، وتجاوز القوانين.
إدارة السمعة بدل المحاسبة
حتى الآن، لم يصدر عن السلطات الإماراتية أو إدارة موانئ دبي العالمية أي اعتراف واضح بالمسؤولية، بل اقتصر الرد على محاولات امتصاص الغضب عبر بيانات عامة. هذا الأسلوب يعكس سياسة إماراتية معتادة تقوم على إدارة الصورة الإعلامية بدلاً من فتح تحقيقات مستقلة وشفافة.
ويرى محللون أن غياب المحاسبة الداخلية يعزز الشكوك الدولية، ويدفع المؤسسات الغربية إلى اتخاذ إجراءات وقائية، خوفاً من التورط في فضائح مستقبلية.
تداعيات اقتصادية وسياسية متراكمة
قرار تعليق الاستثمارات لا يمثل خسارة مالية مباشرة فقط، بل يهدد النموذج الاقتصادي الذي بنت عليه الإمارات نفوذها الخارجي، والقائم على جذب الشراكات الغربية وتقديم نفسها كـ”مركز آمن للاستثمار”.
مع تراكم الفضائح، من ملفات إبستين إلى قضايا حقوق الإنسان والحروب بالوكالة في المنطقة، باتت هذه الصورة مهددة بالانهيار التدريجي. فالمستثمر الغربي لم يعد ينظر إلى الإمارات بوصفها شريكاً مستقراً بلا مخاطر سياسية وأخلاقية.
أزمة أعمق من فضيحة عابرة
في جوهرها، تكشف قضية إبستين عن أزمة بنيوية في نمط إدارة النفوذ الإماراتي، الذي يعتمد على العلاقات الشخصية المغلقة، وشبكات المصالح غير الشفافة، وتوظيف المال لتجاوز المساءلة.
ومع تحوّل هذه الشبكات إلى عبء سياسي وإعلامي، تجد أبوظبي نفسها أمام اختبار حقيقي: إما المضي في سياسة الإنكار وتجميل الصورة، مع ما تحمله من خسائر متراكمة، أو القبول بإصلاحات حقيقية تفرض الشفافية والمحاسبة.
مستقبل غامض للشراكات الدولية
المؤشرات الحالية توحي بأن الإمارات تدخل مرحلة أكثر صعوبة في علاقاتها مع الغرب. فقرارات بريطانيا وكندا والولايات المتحدة قد تشجّع أطرافاً أوروبية أخرى على مراجعة شراكاتها مع أبوظبي.
وفي ظل غياب خطوات إصلاحية جادة، يبدو أن فضيحة إبستين لن تكون نهاية الأزمة، بل بدايتها، ضمن مسار طويل من تآكل الثقة الدولية، قد يعيد رسم موقع الإمارات في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي.
اقرأ أيضًا : الأمم المتحدة تحذّر من مجاعة الأطفال في السودان وسط حرب الميليشيا والدعم الإماراتي المستمر