في تصعيد جديد يعكس طبيعة السياسات الإسرائيلية تجاه الأسرى الفلسطينيين، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير سجن عوفر قرب مدينة رام الله، في خطوة وُصفت بأنها استفزازية ومقصودة، حملت في طياتها رسائل قمع وترهيب واضحة. وخلال الزيارة، وثّقت وسائل إعلام إسرائيلية وفلسطينية استخدام قنابل صوتية أمام زنازين الأسرى، إلى جانب ممارسات مهينة تهدف إلى كسر إرادتهم النفسية والمعنوية.
واعتبرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن ما جرى يمثل جريمة حرب جديدة وانتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية، مؤكدة أن هذه الزيارة لم تكن تفقدية أو إدارية، بل جاءت في سياق سياسة انتقامية ممنهجة تستهدف الأسرى بوصفهم جزءًا من معركة الوجود والهوية.

انتهاك القانون الدولي وتحدي المواثيق الإنسانية
تخضع معاملة الأسرى في النزاعات المسلحة لقواعد صارمة وفق اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة. غير أن ما يحدث داخل سجن عوفر، بحسب شهادات وتقارير حقوقية، يشكل تحديًا مباشرًا لهذه المواثيق.
فإطلاق القنابل الصوتية، وفرض العقوبات الجماعية، والتضييق على الأسرى في الطعام والعلاج والزيارة، كلها ممارسات تصنف ضمن الانتهاكات الجسيمة. وترى حماس أن الصمت الدولي إزاء هذه الجرائم يشجع الاحتلال على التمادي، ويمنحه غطاءً سياسيًا غير مباشر لمواصلة سياساته القمعية.
بن غفير وتحويل السجون إلى أدوات انتقام سياسي
منذ تولي بن غفير منصبه نهاية عام 2022، شهد ملف الأسرى الفلسطينيين تدهورًا غير مسبوق. فقد تبنّى الوزير اليميني المتطرف خطابًا يقوم على التشديد والعقاب، وسعى إلى تحويل السجون إلى ساحات إذلال جماعي بدلًا من كونها مؤسسات احتجاز تخضع للقانون.
ويفاخر بن غفير علنًا بما يسميه “التغيير الجذري” في ظروف السجون، في إشارة إلى تقليص الحقوق الأساسية للأسرى، وحرمانهم من مستلزمات الحياة الكريمة. كما أعلن عزمه الدفع نحو تشريع قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، في خطوة تعكس عقلية انتقامية تتجاوز أي اعتبار قانوني أو إنساني.
مشروع الإعدام: تشريع للعقاب الجماعي
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، صوّت الكنيست بالقراءة الأولى لصالح مشروع قانون تقدمت به كتلة “القوة اليهودية” بزعامة بن غفير، يقضي بفرض عقوبة الإعدام على فلسطينيين متهمين بقتل إسرائيليين بدوافع “عدائية”.
ورغم أن المشروع لم يستكمل مراحله التشريعية بعد، إلا أن مجرد طرحه يعكس توجّهًا رسميًا نحو شرعنة القتل القضائي وتحويله إلى أداة ردع سياسي. ويخشى حقوقيون من أن هذا المسار يمهّد لمرحلة جديدة من القمع، يكون فيها الإعدام امتدادًا طبيعيًا للتعذيب داخل السجون.
شهادات مروعة: تعذيب وتجويع وإهمال طبي
خلال الأشهر الماضية، أدلى أسرى محررون بشهادات صادمة حول ما يتعرض له المعتقلون داخل السجون الإسرائيلية. وتحدثوا عن الضرب المبرح، والعزل الانفرادي الطويل، ومنع العلاج، والتجويع المتعمد، فضلًا عن حالات تحرش واعتداء جسدي ونفسي.
وظهرت على كثير منهم علامات الهزال الشديد، فيما بدت على بعضهم أعراض اضطرابات نفسية حادة نتيجة التعذيب المستمر. وتؤكد هذه الشهادات أن ما يجري لا يندرج في إطار “تجاوزات فردية”، بل هو سياسة ممنهجة تحظى بغطاء سياسي مباشر.
الأسرى في سياق حرب الإبادة الأوسع
ترى حماس أن الانتهاكات داخل السجون ليست منفصلة عن المشهد العام، بل تمثل امتدادًا لحرب الإبادة والتطهير العرقي التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، خصوصًا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. فالسجون تحولت إلى جبهة داخلية تُدار فيها معركة كسر الوعي والإرادة.
وبحسب معطيات فلسطينية، يقبع في السجون الإسرائيلية أكثر من 9300 أسير، بينهم مئات الأطفال والنساء، يعيشون في ظروف قاسية تهدد حياتهم يوميًا، وسط غياب أي رقابة دولية فعالة.
مسؤولية المجتمع الدولي وضرورة التحرك
في ضوء هذه التطورات، دعت حماس والمؤسسات الحقوقية الدولية إلى تحرك عاجل على المستويات السياسية والقانونية والإنسانية، من أجل حماية الأسرى ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ويؤكد مراقبون أن استمرار الصمت الدولي يضعف مصداقية منظومة حقوق الإنسان، ويحوّلها إلى أداة انتقائية تُستخدم حسب المصالح السياسية. فجرائم السجون، وفي مقدمتها ممارسات بن غفير، لم تعد مجرد ملف إنساني، بل قضية عدالة دولية تمسّ جوهر النظام القانوني العالمي.
خاتمة: سياسة قمع بلا محاسبة
تكشف أحداث سجن عوفر أن الحكومة الإسرائيلية، عبر رموزها المتطرفة، تمضي في ترسيخ نموذج أمني قائم على الانتقام والإذلال. ويشكّل بن غفير رأس الحربة في هذا المشروع، من خلال تحويل السجون إلى أدوات حرب نفسية ضد الفلسطينيين.
وفي ظل غياب المحاسبة، يبقى الأسرى الحلقة الأضعف في معادلة الصراع، يدفعون ثمن التطرف السياسي بصحتهم وحياتهم وكرامتهم. ومع كل يوم صمت دولي جديد، تتكرس هذه الجرائم كأمر واقع، ما يجعل التحرك العاجل ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة قانونية وإنسانية لا تحتمل التأجيل.
اقرأ أيضًا : تعنّت الاحتلال: رئيس الأركان يلوّح بحرب جديدة ويشترط نزع سلاح غزة بالكامل