في مشهد يعكس الانحدار الخطير في مسار الحرب السودانية، أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة سبعة آخرين جراء قصف نفذته ميليشيا الدعم السريع على مستشفى في ولاية سنار، في اعتداء جديد يطال ما تبقى من البنية الصحية المنهكة أصلاً بفعل الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023.
الهجوم على منشأة طبية لا يُقرأ بوصفه حادثاً عسكرياً عابراً، بل باعتباره مؤشراً على تحوّل خطير في طبيعة المواجهة، حيث أصبحت المستشفيات والمرافق الإنسانية أهدافاً مباشرة أو غير مباشرة في الصراع. ويأتي هذا القصف في سياق سلسلة اعتداءات طالت البنية التحتية المدنية خلال الأشهر الماضية، ما يضاعف من مأساة المدنيين الذين يعيشون بين نيران الاشتباكات وانهيار الخدمات الأساسية.
ولاية سنار، التي لم تكن في صدارة خطوط المواجهة خلال الأشهر الأولى للحرب، تحولت تدريجياً إلى ساحة اشتباك مفتوحة، مع توسع نفوذ ميليشيا الدعم السريع ومحاولتها فرض سيطرة عسكرية على طرق الإمداد الحيوية بين وسط السودان وشرقه. ويعكس استهداف المستشفى محاولة لإرباك المناطق التي لا تزال تحت سيطرة الجيش أو قريبة من خطوطه الخلفية، في ظل حرب استنزاف طويلة الأمد.

عملية نوعية في أبو زبد… الجيش يعلن تدمير دفاع جوي للميليشيا
بالتوازي مع تصاعد الهجمات على المدنيين، أعلن الجيش السوداني تنفيذ عملية وصفها بـ”النوعية” في منطقة أبو زبد بولاية غرب كردفان، أسفرت عن تدمير منظومة دفاع جوي تابعة لميليشيا الدعم السريع، وإلحاق خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
وتكتسب هذه العملية أهمية عسكرية خاصة، إذ تشير إلى تطور في قدرات الميليشيا التسليحية، بما في ذلك امتلاك أنظمة دفاع جوي، وهو ما يطرح تساؤلات حول مصادر التسليح والدعم اللوجستي. فامتلاك ميليشيا غير نظامية لمنظومات دفاع جوي متطورة لا يمكن فصله عن شبكات دعم إقليمية معقدة، وعلى رأسها الدعم الإماراتي الذي ظل محل اتهامات متكررة من أطراف سودانية ودولية.
الجيش أكد في بيانه استمرار عملياته “حتى تطهير البلاد من دنس المليشيا”، في خطاب يعكس إصرار القيادة العسكرية على الحسم الميداني. إلا أن الواقع الميداني في ولايات كردفان الثلاث – شمال وغرب وجنوب – يظهر أن المعركة هناك تتخذ طابعاً كرّاً وفرّاً، مع تحولات مستمرة في السيطرة على القرى والمناطق الاستراتيجية.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، تصاعدت الاشتباكات في كردفان بشكل غير مسبوق، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، وسط تقارير عن مجاعة تُصنّف من بين الأسوأ عالمياً، في ظل انهيار سلاسل الإمداد الغذائي وتوقف الأنشطة الزراعية.
البعد الإنساني… 13 مليون نازح وجيل كامل تحت التهديد
تُقدَّر أعداد النازحين داخل السودان وخارجه بنحو 13 مليون شخص، في واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم حالياً. ومع كل تصعيد عسكري جديد، تتوسع رقعة المعاناة، حيث تُغلق المستشفيات، وتتوقف المدارس، وتنهار شبكات المياه والكهرباء.
استهداف مستشفى في سنار يعمّق من أزمة القطاع الصحي الذي يعاني أصلاً من نقص حاد في الكوادر والمستلزمات الطبية. وتشير تقارير ميدانية إلى أن أكثر من نصف المنشآت الصحية في مناطق النزاع خرجت عن الخدمة، فيما تعمل البقية بطاقة محدودة للغاية.
هذا الواقع يضع المدنيين أمام خيارات قاسية: إما البقاء في مناطق القتال دون رعاية صحية، أو النزوح إلى مناطق مكتظة تفتقر لأدنى مقومات الحياة. وفي الحالتين، تتسع دائرة الانهيار الاجتماعي والاقتصادي، ما يهدد بتفكك النسيج الوطني على المدى الطويل.
الدعم الإماراتي للميليشيا… معادلة الحرب المفتوحة
لا يمكن فصل تطور قدرات ميليشيا الدعم السريع، سواء في مجال الطائرات المسيّرة أو منظومات الدفاع الجوي، عن الاتهامات المتكررة بوجود دعم إماراتي سياسي وعسكري. هذا الدعم – وفق تقارير عديدة – وفّر للميليشيا هامشاً أوسع للمناورة، ومكّنها من الصمود في مواجهة الجيش لفترة أطول مما كان متوقعاً.
وبينما تنفي أبوظبي رسمياً تقديم دعم عسكري مباشر، فإن تكرار ظهور أسلحة متطورة بحوزة الميليشيا يعزز الشكوك حول وجود خطوط إمداد خارجية. وتحوّل السودان في هذا السياق إلى ساحة صراع إقليمي بالوكالة، تتداخل فيه الحسابات الجيوسياسية مع المصالح الاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بالموانئ والموارد الطبيعية.
تحركات أمريكية لهدنة إنسانية… محاولة لاحتواء الانفجار
على الصعيد السياسي، أعلن كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن واشنطن تعمل من أجل التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان، بهدف تمكين وصول المساعدات إلى المتضررين.
غير أن تجارب الهدن السابقة تُظهر هشاشتها، إذ سرعان ما تنهار تحت ضغط الحسابات العسكرية للطرفين. كما أن أي هدنة إنسانية لا تعالج جذور الأزمة السياسية قد تتحول إلى مجرد استراحة قصيرة في حرب طويلة.
السؤال المطروح اليوم ليس فقط حول إمكانية وقف إطلاق النار، بل حول مستقبل الدولة السودانية نفسها. فمع استمرار القتال، وتعمّق الانقسام، وتزايد التدخلات الإقليمية، تبدو البلاد على مفترق طرق خطير.
السودان بين خيار الحسم وخطر التفكك
ما بين قصف مستشفى في سنار وتدمير دفاع جوي في كردفان، تتجلى صورة حرب مفتوحة على كل الاحتمالات. الجيش يسعى إلى الحسم العسكري، فيما تراهن ميليشيا الدعم السريع – المدعومة إقليمياً – على إطالة أمد الصراع واستنزاف الدولة.
وفي ظل هذا المشهد، يدفع المدنيون الثمن الأكبر. فكل صاروخ يسقط على مستشفى، وكل منظومة تُدمَّر في ساحة قتال، تعني مزيداً من الأرواح المهدورة ومستقبلاً أكثر غموضاً.
يبقى الأمل معلقاً على قدرة السودانيين، بدعم دولي حقيقي غير منحاز، على كسر دائرة الحرب، وإعادة بناء دولة أنهكتها الانقسامات والتدخلات. لكن حتى ذلك الحين، ستظل أخبار القصف والدمار عنواناً يومياً لبلد يبحث عن مخرج من نفقه الأكثر ظلمة.
اقرأ أيضًا : الخطر يحيط بالمرضى في غزة مع تعنت الاحتلال وتهديد توقف مستشفى شهداء الأقصى عن العمل