يشهد قطاع التعليم الثانوي في تونس تصعيدًا غير مسبوق، مع تمدد إضراب المعلمين من الشمال إلى وسط البلاد، في مؤشر واضح على عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وعلى انسداد أفق الحوار بين الحكومة والنقابات في ظل سياسات الرئيس قيس سعيد، التي باتت تُتهم بتهميش الشركاء الاجتماعيين وتكريس الحكم الفردي.

في وقت تعاني فيه البلاد من تدهور اقتصادي وارتفاع غير مسبوق في كلفة المعيشة، يتحول ملف المعلمين من مجرد مطالب مهنية إلى عنوان بارز لصراع أوسع بين السلطة والمجتمع، حول الحقوق، والعدالة الاجتماعية، ومستقبل الدولة.

تمدد الإضراب من الشمال إلى الوسط

أعلنت نقابة التعليم الثانوي تنفيذ إضراب عام عن التدريس في ست ولايات وسط البلاد، شملت القصرين وسيدي بوزيد والقيروان وسوسة والمنستير والمهدية، بعد يوم واحد من شلّ الحركة التعليمية في عدد من ولايات الشمال.

وأكد قياديون نقابيون أن نسبة المشاركة تجاوزت 60 بالمئة، وهو ما يعكس اتساع قاعدة الغضب داخل صفوف المدرسين، وعدم اقتناعهم بالوعود الحكومية المتكررة.

ويُعد هذا التمدد الجغرافي للإضراب مؤشرًا على أن الأزمة لم تعد محصورة في مناطق بعينها، بل أصبحت ظاهرة وطنية تعكس حجم الاحتقان داخل قطاع حيوي يمس ملايين التلاميذ وأسرهم.

اتفاقيات معلّقة ووعود بلا تنفيذ

يرتكز تحرك المعلمين أساسًا على رفض الحكومة التراجع عن اتفاقيتي 2019 و2023، اللتين نصّتا على زيادات تدريجية في الأجور تصل إلى نحو 300 دينار على مدى ثلاث سنوات.

وأكدت النقابة التابعة لـ الاتحاد العام التونسي للشغل أن هذه الاتفاقيات وُقّعت من قبل عدة أطراف حكومية، بينها وزارات التربية والمالية والشؤون الاجتماعية، إضافة إلى رئاسة الحكومة، ما يمنحها طابعًا رسميًا وملزمًا.

غير أن الحكومة، بحسب النقابيين، لم تلتزم بتنفيذ تعهداتها، واكتفت بتصريحات فضفاضة حول “دراسة الزيادة”، دون جدول زمني واضح أو خطوات عملية.

ويعتبر المعلمون أن هذا السلوك يعكس استخفافًا بحقوقهم، ومحاولة لكسب الوقت على حساب أوضاعهم المعيشية المتدهورة.

وزارة التربية بين العجز والتجاهل

يحمّل المحتجون وزارة التربية مسؤولية كبيرة عن تفاقم الأزمة، متهمين إياها بإغلاق باب التفاوض وغياب رؤية واضحة لإصلاح القطاع.

وكان وزير التربية قد أشار أمام مجلس نواب الشعب إلى أن الزيادات “قيد الدراسة”، وهو تصريح اعتبرته النقابة دليلاً على غياب الإرادة السياسية.

ويرى المعلمون أن وزارة التربية التونسية لم تكتفِ بتجاهل مطالبهم المالية، بل فشلت أيضًا في معالجة مشكلات أخرى، مثل العنف داخل المدارس، وتهالك البنية التحتية، ونقص الوسائل التعليمية، ما جعل بيئة العمل أكثر قسوة وضغطًا.

قيس سعيد وتكريس القطيعة مع النقابات

لا يمكن فصل أزمة إضراب المعلمين عن السياق السياسي العام في تونس، منذ أن رسّخ الرئيس قيس سعيد سلطته المطلقة، وقلّص دور المؤسسات الوسيطة، وعلى رأسها النقابات.

فمنذ إجراءات يوليو 2021، اتجهت السلطة إلى التعامل مع المنظمات الاجتماعية بمنطق أمني وإداري، بدل منطق الشراكة والحوار، ما أدى إلى توتير العلاقة مع الاتحاد العام للشغل، أحد أبرز الفاعلين التاريخيين في البلاد.

ويرى مراقبون أن السلطة الحالية تنظر إلى التحركات الاجتماعية باعتبارها تهديدًا سياسيًا، لا مطالب مشروعة، وهو ما يفسر سياسة التجاهل والتسويف، وربما التلويح غير المباشر بالقمع.

هذا النهج، بحسب محللين، يعمّق الفجوة بين الدولة وموظفيها، ويفتح الباب أمام موجات احتجاج أوسع في قطاعات أخرى.

أبعاد اجتماعية تتجاوز ملف الأجور

لا يقتصر تحرك المعلمين على المطالب المالية فقط، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بمكانة التعليم في السياسات العمومية.

ففي ظل تراجع الاستثمار في المدارس والمعاهد، وتدهور أوضاع المدرسين، يتآكل الدور الاجتماعي للتعليم، وتتراجع جودته، ما يهدد مستقبل أجيال كاملة.

كما يشعر كثير من المدرسين بأنهم تحوّلوا إلى “ضحايا صامتين” لسياسات التقشف، في وقت تُفرض فيه أعباء إضافية عليهم دون مقابل عادل.

ويخشى أولياء الأمور من أن يؤدي استمرار الإضرابات إلى مزيد من الاضطراب في السنة الدراسية، وإلى تعميق الفجوة بين التعليم العمومي والخاص.

سيناريوهات التصعيد والمستقبل الغامض

في ظل غياب بوادر انفراج، يلوّح المعلمون بمزيد من التصعيد، سواء عبر توسيع رقعة الإضرابات أو اللجوء إلى أشكال احتجاجية جديدة.

وتواجه الحكومة خيارين أحلاهما مرّ: إما فتح حوار جدي وتنفيذ التزاماتها، وهو ما يتطلب موارد مالية وإرادة سياسية، أو الاستمرار في سياسة الإنكار، بما ينذر بانفجار اجتماعي أوسع.

ويجمع مراقبون على أن استمرار تجاهل مطالب المعلمين لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة بين الدولة وموظفيها، وتعزيز صورة نظام يفضّل القمع والتهميش على التفاوض والحلول التوافقية.

وفي هذا السياق، يتحول إضراب المعلمين من تحرك مهني محدود إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة السلطة الحالية على إدارة الأزمات دون اللجوء إلى الإقصاء، في بلد ما زال يبحث عن توازن مفقود بين الاستقرار والعدالة الاجتماعية.

اقرأ أيضًا : الميليشيا الإماراتية تقصف مستشفى بسنار وتصعيد بكردفان يفضح كلفة الحرب السودانية المتفاقمة