بعد أكثر من عامين على الحرب وما رافقها من حصار وإغلاق للمعابر وانهيار شبه كامل للاقتصاد، يعيش قطاع غزة واقعًا غير مسبوق، حيث يعتمد أكثر من 95% من السكان على المساعدات الإنسانية كمصدر شبه وحيد للبقاء. لكن هذه المساعدات، التي كانت يومًا ما طوق نجاة مؤقتًا، تحولت اليوم إلى نمط حياة مفروض على مجتمع فقد مصادر دخله وكرامته الاقتصادية.
اقتصاد مشلول… ومساعدات لا تكفي
رغم استمرار تدفق المساعدات مقارنة بذروة الحرب، فإن آليات توزيعها لا تزال محل انتقاد واسع. غالبية الطرود الغذائية تتركز في الطحين والبقوليات، بينما تغيب الخضراوات والفواكه واللحوم ومنتجات الألبان ومواد التنظيف، ما يترك الأسر أمام نظام غذائي محدود يفتقر للتنوع والتوازن.
في ظل غياب الدخل النقدي وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، أصبحت المواد الأساسية في الأسواق حكرًا على فئة قليلة تمتلك سيولة، بينما تقف الأغلبية عاجزة عن الشراء.
“سلة موحدة” لا تناسب واقعًا متغيرًا
يشكو مواطنون من تكرار المواد داخل الطرود الإغاثية وعدم ملاءمتها لاحتياجات الأسر المختلفة، خاصة العائلات الكبيرة أو التي تضم أطفالًا ومرضى.
وتبرز هنا إشكالية “السلة الغذائية الموحدة”، التي قد تكون مناسبة لمرحلة الطوارئ القصوى، لكنها لا تلائم مرحلة ما بعد الحرب، حيث يعيش آلاف السكان في خيام وظروف معيشية معقدة.
الكثيرون يرون أن التحول نحو مساعدات نقدية أو قسائم شرائية مرنة قد يكون أكثر جدوى، إذ يمنح الأسر حرية اختيار احتياجاتها الفعلية بدل تلقي مواد قد تتكدس أو لا تغطي متطلبات أساسية.
مقترحات لتحول نوعي في الإغاثة
تُطرح حاليًا أفكار لإعادة هيكلة منظومة المساعدات، تقوم على:
-
اعتماد نقاط بيع موزعة جغرافيًا وفق الكثافة السكانية.
-
تخصيص رصيد مالي شهري لكل أسرة حسب عدد أفرادها واحتياجاتها.
-
استخدام بطاقات إلكترونية أو أكواد رقمية لضمان الشفافية ومنع الازدواجية.
-
إلزام نقاط البيع بقائمة سلع أساسية تشمل البروتينات والكربوهيدرات ومواد النظافة.
هذا النموذج، إذا طُبّق بشكل منظم، قد يحقق عدة أهداف:
-
تعزيز كرامة المستفيدين عبر التسوق دون طوابير.
-
تنشيط السوق المحلي وضخ سيولة للتجار.
-
خلق فرص عمل في بيئة اقتصادية منهكة.
-
تقليل تكاليف النقل والتوزيع.
لكن نجاحه مرهون بقدرة الأسواق على توفير السلع بانتظام، ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وضمان تدفق البضائع عبر المعابر.
أزمة أعمق من “شكل المساعدة”
الأرقام تعكس عمق المشكلة:
من أصل 69 ألف شاحنة كان يُفترض دخولها، دخلت نحو 29,600 شاحنة فقط، بنسبة لا تتجاوز 43%. كما أن الوقود الداخل لا يغطي سوى 14% من الاحتياج الفعلي، في حين يُفترض دخول 600 شاحنة يوميًا، بينها 50 شاحنة وقود.
هذا يعني أن المشكلة لا تقتصر على نوعية المساعدات، بل تشمل كميتها وإدارتها وسلاسل التوريد المرتبطة بها.
من الإغاثة إلى الاعتماد القسري
ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات تتجاوز 80% جعل المجتمع يعتمد قسرًا على المساعدات، لا باعتبارها تدخلاً مؤقتًا، بل كبديل دائم عن اقتصاد مفقود. ومع استمرار إغلاق المعابر وغياب مصادر الإنتاج، يصبح الحديث عن التعافي الاقتصادي بعيد المنال دون تغيير جذري في المنظومة.
الخلاصة
تحولت المساعدات في غزة من وسيلة إنقاذ عاجلة إلى عبء يومي يفتقر للمرونة والكفاية.
وما لم تُعاد صياغة آليات الإغاثة لتراعي الكرامة الإنسانية، وتنوع الاحتياجات، ودعم السوق المحلي، فإنها ستبقى مسكنًا مؤقتًا لأزمة أعمق تتعلق بالحصار والبطالة وانهيار الاقتصاد.