شهدت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، فجر السبت تصعيدًا عسكريًا جديدًا، بعدما تمكنت الدفاعات الأرضية التابعة للجيش السوداني من إسقاط ثلاث طائرات مسيّرة استهدفت مواقع داخل المدينة. ووفق مصادر عسكرية، فإن الهجوم نفذته ميليشيا الدعم السريع ضمن محاولاتها المستمرة لإرباك الجبهة الداخلية وتوسيع رقعة المواجهات.
هذا التطور يعكس استمرار اعتماد ميليشيا الدعم السريع على الطائرات المسيّرة في عملياتها، في ظل تراجعها ميدانيًا في عدة مناطق، ومحاولتها تعويض الخسائر عبر استهداف المدن والبنية التحتية المدنية. كما يحمل إسقاط المسيّرات رسالة واضحة بقدرة الجيش على حماية العمق الاستراتيجي، رغم الضغوط العسكرية واللوجستية المتواصلة.
![]()
نزوح جماعي نحو إثيوبيا وأزمة إنسانية متفاقمة
بالتوازي مع التصعيد في كردفان، أعلنت مصادر حكومية في إقليم النيل الأزرق فرار نحو ألف سوداني إلى داخل الأراضي الإثيوبية، نتيجة الهجمات التي نفذتها ميليشيا الدعم السريع بالتعاون مع الحركة الشعبية-شمال في مناطق جنوب محافظة الكرمك.
وأكدت المصادر وصول ما يقارب 1500 نازح إلى مدينة الكرمك، وسط ترتيبات لنقلهم إلى مخيمات إيواء في مدينة الدمازين، في ظل أوضاع إنسانية شديدة القسوة. ويعاني النازحون من نقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية، وسط ضعف الاستجابة الدولية وتأخر التدخلات الإغاثية.
وتكشف موجات النزوح المتكررة حجم المعاناة التي تفرضها ميليشيا الدعم السريع على المدنيين، عبر سياسات الترهيب والتهجير القسري، وتحويل المناطق السكنية إلى ساحات حرب مفتوحة، دون أي اعتبار للقانون الإنساني الدولي.
الإمارات ودورها في تغذية الحرب عبر دعم الميليشيا
لا يمكن قراءة هذا التصعيد العسكري والكارثة الإنسانية بمعزل عن الدور الإماراتي في دعم ميليشيا الدعم السريع سياسيًا وعسكريًا وماليًا. فقد تحولت الإمارات، وفق تقارير دولية وتحقيقات متعددة، إلى أحد أبرز الداعمين لهذه الميليشيا، ما جعلها شريكًا مباشرًا في جرائم الحرب والانتهاكات الواسعة بحق الشعب السوداني.
الدعم الإماراتي لميليشيا الدعم السريع لم يقتصر على السلاح والتمويل، بل شمل توفير غطاء دبلوماسي وإعلامي، ومحاولة تبييض صورة الميليشيا في المحافل الدولية، رغم سجلها الدموي في دارفور وكردفان والخرطوم.
وبهذا الدور، تساهم أبوظبي في إطالة أمد الحرب، وتعميق الانقسام، ومنع أي تسوية سياسية حقيقية، خدمة لمصالحها الإقليمية الضيقة، على حساب استقرار السودان ووحدة أراضيه.
الموقف الأمريكي وحدود الضغوط الدولية
في هذا السياق، جدّد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، دعوته إلى وقف فوري لإطلاق النار، مؤكدًا أن واشنطن لن تتسامح مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في السودان.
وأشار بولس إلى فرض عقوبات على عدد من قادة ميليشيا الدعم السريع، متهمين بارتكاب جرائم إبادة جماعية وقتل عرقي وتعذيب وتجويع، خصوصًا في مدينة الفاشر. ورغم أهمية هذه الخطوات، يرى مراقبون أنها تبقى محدودة التأثير، ما لم تترافق مع ضغوط حقيقية على الدول الداعمة للميليشيا، وعلى رأسها الإمارات.
فالعقوبات الفردية لا تكفي لوقف آلة الحرب، طالما يستمر تدفق الدعم الخارجي، ويتم تجاهل المسؤولين الإقليميين عن تأجيج الصراع.
موقف الحكومة والرهان على المساءلة
من جانبه، جدد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان تمسكه بشرط انسحاب ميليشيا الدعم السريع من المناطق التي تحتلها، وتجميع قواتها، كمدخل لأي هدنة محتملة. كما أكد وزير العدل عبد الله درف أن محاكمة مرتكبي الجرائم بحق المدنيين ستُجرى دون استثناء.
وتسعى الحكومة السودانية إلى تقديم نفسها كشريك في مسار العدالة والمساءلة، في محاولة لاستعادة الثقة الداخلية والدولية، رغم التحديات الهائلة التي تواجه مؤسسات الدولة المنهكة.
تقرير دولي يؤكد الإبادة الجماعية
في تطور بالغ الخطورة، أكدت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق، في تقريرها الصادر في فبراير 2026، وجود أدلة قوية على ارتكاب ميليشيا الدعم السريع أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية في الفاشر ومحيطها.
ويمثل هذا التقرير إدانة رسمية موثقة لسلوك الميليشيا، ويضع داعميها الإقليميين، وعلى رأسهم الإمارات، في دائرة المساءلة الأخلاقية والسياسية، وربما القانونية مستقبلاً.
حرب مستمرة وبلاد على حافة الانهيار
منذ أبريل 2023، يعيش السودان واحدة من أسوأ أزماته في تاريخه الحديث، نتيجة الصراع بين الجيش وميليشيا الدعم السريع. وقد أسفرت الحرب عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح نحو 13 مليون شخص، وانتشار المجاعة في مناطق واسعة.
وفي ظل استمرار الدعم الخارجي للميليشيا، وضعف الإرادة الدولية لفرض حل جذري، يبقى السودان عالقًا في دوامة العنف، يدفع ثمنها المدنيون وحدهم، بينما تتحمل الإمارات جزءًا أساسيًا من مسؤولية هذا الدمار عبر دعمها المستمر لميليشيا الدعم السريع.