في مشهد يعكس تصعيدًا عسكريًا لافتًا في الشرق الأوسط، كشفت وسائل إعلام عبرية عن هبوط 12 مقاتلة أمريكية من طراز “إف-22” في إحدى القواعد الجوية الإسرائيلية، بالتزامن مع تحركات بحرية أمريكية واسعة في البحر الأبيض المتوسط. الخطوة التي تأتي قبيل جولة مفاوضات جديدة بين واشنطن وطهران في جنيف، تفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو انفجار عسكري، أم أن هذا الحشد يندرج ضمن سياسة الضغط القصوى لفرض تنازلات على طاولة التفاوض.

بحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن الطائرات الأمريكية تعد من بين الأكثر تطورًا في العالم، وتُستخدم عادة في مهام اختراق الدفاعات الجوية المعادية وتعطيل أنظمة الرادار، ما يعزز فرضية أن الانتشار يحمل طابعًا هجوميًا أكثر منه دفاعيًا. كما يتزامن ذلك مع اقتراب حاملة الطائرات الأمريكية “جيرالد فورد” من المنطقة، وانضمامها إلى حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، في مؤشر على استعداد عسكري واسع النطاق.

حشد عسكري أم رسالة ردع سياسية؟

التحرك الأمريكي لا يمكن فصله عن سياق التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، خصوصًا في ظل تعثر المفاوضات النووية خلال الأشهر الماضية. إرسال مقاتلات “إف-22” إلى إسرائيل، التي تُعد الحليف الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة في المنطقة، يعكس مستوى عالٍ من التنسيق العسكري، ويمنح تل أبيب مظلة هجومية متقدمة في حال اتخاذ قرار بضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

اللافت أن هذا الانتشار يتزامن مع تصريحات إسرائيلية متكررة حول “الاستعداد لكل السيناريوهات”، ومع تقارير عن تدريبات مشتركة تحاكي هجمات بعيدة المدى. وهو ما يطرح احتمال أن تكون واشنطن بصدد منح إسرائيل ضوءًا أخضر مشروطًا، أو على الأقل تأمين غطاء عسكري لعملية محتملة.

في المقابل، قد يُقرأ الحشد أيضًا كأداة ضغط نفسية وسياسية، تهدف إلى دفع إيران لتقديم تنازلات في جنيف. فالولايات المتحدة اعتادت استخدام القوة العسكرية كوسيلة تفاوض غير مباشرة، عبر إيصال رسالة مفادها أن البديل عن الاتفاق هو المواجهة.

طهران بين التهديد والاستعداد

في مواجهة هذا التصعيد، سعى المسؤولون الإيرانيون إلى التمسك بخيار الدبلوماسية، مع التأكيد في الوقت ذاته على الجاهزية للرد. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي شدد على أن “الاتفاق في المتناول”، بشرط إعطاء الأولوية للحلول السياسية، مؤكدًا أن بلاده لا تسعى لتطوير سلاح نووي، لكنها لن تتخلى عن حقها في التكنولوجيا النووية السلمية.

الرئيس الإيراني مسعود بازشكيان بدوره تحدث عن التزام بلاده بالسلام والاستقرار، معتبرًا أن أي تصعيد سيضر بجميع دول المنطقة. إلا أن هذه الرسائل الدبلوماسية تترافق مع استعدادات عسكرية داخلية، حيث كثفت إيران مناوراتها الدفاعية خلال الأسابيع الأخيرة، وأعلنت عن جاهزية منظوماتها الصاروخية والجوية.

المعادلة الإيرانية تبدو واضحة: الانفتاح على التفاوض، مقابل رفض التهديد. لكن في حال تعرضت طهران لهجوم، فإن الرد – وفق عقيدتها العسكرية – لن يقتصر على الداخل الإيراني، بل قد يمتد إلى مصالح أمريكية وإسرائيلية في المنطقة، وربما إلى جبهات متعددة عبر حلفائها الإقليميين.

المنطقة على حافة اختبار خطير

الانتشار الأمريكي في إسرائيل لا يمكن عزله عن التحولات الأوسع في البيئة الإقليمية. فالحرب في غزة، والتوتر على الحدود اللبنانية، والاشتباكات غير المباشرة في البحر الأحمر، كلها عوامل تزيد من هشاشة المشهد. وأي ضربة لإيران قد تشعل سلسلة ردود فعل يصعب احتواؤها.

إسرائيل، التي ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، قد تجد في اللحظة الراهنة فرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، خصوصًا إذا شعرت بأن المسار الدبلوماسي لن يحقق لها الضمانات الكافية. أما الولايات المتحدة، فتقف أمام معادلة معقدة: فهي لا ترغب في حرب شاملة جديدة في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تُتهم بالتراخي تجاه إيران.

السيناريو الأخطر يتمثل في ضربة محدودة تتحول إلى مواجهة مفتوحة، بفعل حسابات خاطئة أو ردود فعل غير محسوبة. أما السيناريو الأقل كلفة، فيتمثل في استخدام هذا الحشد العسكري كورقة ضغط تنتهي باتفاق مرحلي يجمّد التصعيد.

ما بين جنيف والمواجهة

مع اقتراب موعد المفاوضات في جنيف، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق. فإما أن تنجح الدبلوماسية في استيعاب التوتر وتقديم صيغة توازن جديدة، أو أن يتحول الحشد العسكري إلى مقدمة لمواجهة قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

هبوط 12 مقاتلة أمريكية في إسرائيل ليس مجرد خبر عسكري عابر، بل رسالة استراتيجية متعددة الأبعاد: إلى طهران، إلى تل أبيب، وإلى العواصم الإقليمية كافة. وبينما تؤكد واشنطن أن الهدف هو الردع، ترى طهران في المشهد استعدادًا لعدوان محتمل.

الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة. فإما أن تُترجم الطائرات إلى ضغط تفاوضي ناجح، أو إلى شرارة مواجهة واسعة لن تكون حدودها جغرافية فقط، بل سياسية واقتصادية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من ساحات القتال.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يصنع كارثة بيئية ممنهجة في غزة ويحوّل الأسواق إلى مكبات موت