في مشهد يعكس مستوى غير مسبوق من التوحش المنظم، صعّد المستوطنون الإسرائيليون اعتداءاتهم على الفلسطينيين في محافظة الخليل خلال ليالي شهر رمضان، عبر إحراق منازل ومركبات، وبث الرعب في القرى والبلدات، في إطار سياسة واضحة تهدف إلى كسر إرادة السكان ودفعهم إلى الرحيل القسري عن أراضيهم.
الهجمات التي طالت قرية سوسيا في مسافر يطا جنوب الخليل، لم تكن حادثة عابرة أو عملاً فردياً، بل جاءت ضمن نمط ممنهج من العنف المدعوم سياسياً وأمنياً، يعكس جوهر المشروع الاستيطاني القائم على الإقصاء والتطهير الديمغرافي.

حرق المنازل كأداة للتهجير القسري
شهدت قرية سوسيا واحدة من أعنف الاعتداءات، حيث أقدم مستوطنون على إحراق خمسة مساكن وعدد من المركبات، في هجوم ليلي منسق استهدف بيوت الفلسطينيين وهم بداخلها.
لم يكتفِ المهاجمون بإشعال النيران، بل أطلقوا قنابل الغاز داخل المنازل، ما أدى إلى إصابة عدد من السكان بحالات اختناق، بينهم نساء وأطفال. هذه الممارسات لم تترك فقط أضراراً مادية، بل خلّفت صدمات نفسية عميقة لدى العائلات التي وجدت نفسها محاصرة بين اللهب والغاز والرعب.
الرسالة التي يحملها هذا النوع من الاعتداءات واضحة: إما الرحيل الطوعي تحت الضغط، أو البقاء في بيئة غير آمنة تتحول تدريجياً إلى جحيم يومي.
مسافر يطا.. ساحة مفتوحة لعنف المستوطنين
لم تكن سوسيا وحدها الهدف، إذ امتدت الاعتداءات إلى مناطق واسعة من مسافر يطا، حيث تعرّض رعاة الأغنام للمطاردة، وتم إطلاق المواشي داخل محيط مساكن الفلسطينيين، في محاولة لتخريب مصادر رزقهم.
كما اقتُحمت منازل في خربة الحلاوة وخربة المركز وخربة التبان، وسط تهديدات متواصلة للسكان، في سياسة تهدف إلى تفريغ المنطقة من أهلها تمهيداً لتوسيع المستوطنات.
وتُعد مسافر يطا واحدة من أبرز المناطق المستهدفة بعمليات الإخلاء القسري، حيث تسعى سلطات الاحتلال إلى تحويلها إلى مناطق تدريب عسكري أو توسّع استيطاني، على حساب وجود الفلسطينيين التاريخي فيها.
إغلاق الطرق وتقييد الحياة اليومية
في واد سعير شمال الخليل، تجمهر مستوطنون مسلحون وقطعوا الطرق الرئيسية، ومنعوا الفلسطينيين من الوصول إلى الشوارع الالتفافية، في مشهد يعكس محاولة فرض سيطرة ميدانية مباشرة.
هذا النوع من الاعتداءات لا يقتصر على التخريب، بل يستهدف تعطيل الحياة اليومية، ومنع العمال والطلاب والمرضى من التنقل، وتحويل التنقل الطبيعي إلى مخاطرة دائمة.
وبذلك يتحول المستوطن إلى سلطة موازية تمارس دور الشرطي والقاضي والجلاد، دون أي مساءلة قانونية.
مقاومة شعبية في نابلس ورسائل الصمود
في شمال الضفة الغربية، وتحديداً في بلدة بيتا جنوب نابلس، تصدى عشرات الشبان لهجوم استيطاني استهدف جبل بئر قوزا، في مشهد يعكس استمرار روح المقاومة الشعبية رغم شراسة القمع.
هذه المواجهات تعبّر عن رفض الفلسطينيين لسياسة فرض الأمر الواقع، وتؤكد أن العنف المنهجي لن يمر دون رد، رغم اختلال موازين القوة.
ورغم التضحيات، يصرّ الأهالي على الدفاع عن أراضيهم باعتبارها خط الدفاع الأخير أمام مشروع الإحلال الاستيطاني.
أرقام تكشف حجم الجريمة المنظمة
تشير المعطيات إلى تسجيل مئات الاعتداءات شهرياً من قبل المستوطنين، شملت الاعتداء الجسدي، وإحراق الحقول، واقتلاع الأشجار، وتخريب الممتلكات، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية.
ويعيش في الضفة الغربية نحو 770 ألف مستوطن، ينتشرون في مئات البؤر والمستوطنات، في مخالفة صريحة للقانون الدولي، بينما يتمتعون بحماية الجيش وقوات الأمن.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، تصاعدت الاعتداءات بشكل لافت، وأسفرت عن سقوط آلاف الضحايا بين شهيد وجريح ومعتقل، في سياق عملية إعادة هندسة ديمغرافية للضفة الغربية.
تواطؤ رسمي وصمت دولي مريب
لا يمكن فصل جرائم المستوطنين عن السياسات الحكومية الإسرائيلية، التي توفر الغطاء السياسي والقانوني والأمني لهذه الاعتداءات. ففي معظم الحالات، تغيب المحاسبة، وتُغلق الملفات، أو تُبرر الجرائم تحت ذرائع أمنية.
هذا التواطؤ يشجع المستوطنين على مزيد من التصعيد، ويحوّلهم إلى ميليشيات مدنية تعمل ضمن استراتيجية الدولة.
في المقابل، يواصل المجتمع الدولي الاكتفاء ببيانات القلق، دون إجراءات رادعة، ما يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب.
رمضان تحت النار.. ومعركة البقاء مستمرة
أن تُرتكب هذه الجرائم في شهر رمضان، وفي ساعات الليل، يعكس مستوى الانحطاط الأخلاقي للمشروع الاستيطاني، الذي لا يعترف بحرمة زمان ولا مكان.
لكن رغم ذلك، يواصل الفلسطينيون صمودهم في الخليل ومسافر يطا ونابلس وسائر مدن الضفة، متمسكين بأرضهم رغم النار والحصار.
فما يجري اليوم ليس مجرد اعتداءات متفرقة، بل حرب بطيئة تستهدف الوجود الفلسطيني نفسه، ومعركة مفتوحة عنوانها: البقاء في وجه الإبادة الصامتة.
اقرأ أيضا : دعوات لتعديل قانون “منع الإرهاب” بالأردن وسط اتهامات للملك بالانحياز للاحتلال