تجدّد الجدل في الأردن حول قانون “منع الإرهاب” بعد صدور حكم قطعي بالسجن 20 عاماً مع الأشغال الشاقة بحق ثلاثة معتقلين بتهمة “دعم المقاومة” وإمداد الضفة الغربية بالسلاح، في قضية باتت تمثل اختباراً سياسياً وقانونياً بالغ الحساسية في ظل الحرب المتواصلة على غزة وتداعياتها الإقليمية.

محكمة التمييز أيدت في العاشر من شباط/ فبراير الحكم الصادر بحق إبراهيم جبر، وحذيفة جبر، وخالد المجدلاوي، بعد استنفاد جميع المسارات القانونية، ما دفع هيئة الدفاع عنهم إلى إطلاق دعوة عاجلة للبرلمان الأردني لتعديل قانون “منع الإرهاب”، معتبرة أنه تحول إلى “أداة تجريم رئيسية” ضد العمل الوطني المشروع.

الهيئة شددت في بيانها على أن تجريم دعم المقاومة تحت مظلة الإرهاب يشكل مساساً بحقوق مكفولة دولياً، داعية إلى طرح مشروع قانون معدل ينص صراحة على وقف تجريم المقاومة وتثبيت حق دعمها، في خطوة قد تعيد رسم العلاقة بين التشريع الأردني والسياق السياسي الإقليمي المتغير.

قانون مكافحة الإرهاب بين الأمن والسياسة

قانون منع الإرهاب في الأردن، الذي تم تعديله عدة مرات منذ إقراره، يمنح السلطات صلاحيات واسعة لتجريم أفعال يُنظر إليها على أنها تهدد الأمن الوطني. غير أن منتقديه يرون أنه توسّع في تعريف “الإرهاب” ليشمل أفعالاً مرتبطة بالقضية الفلسطينية، ما يفتح الباب أمام توظيف سياسي للتشريع.

في هذه القضية تحديداً، تؤكد هيئة الدفاع أن المعتقلين أوقفوا في أيار/ مايو 2023، أي قبل اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة، معتبرة أن السياق السياسي تغيّر بشكل جذري منذ ذلك الحين، وأن استمرار تجريم دعم المقاومة يتناقض مع ما تصفه بـ”التحول في الرأي العام الدولي”، خاصة مع ملاحقة دولة الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية.

البيان أشار أيضاً إلى تفاصيل إجرائية مثيرة للجدل، إذ أوضح أن طلب إعادة النظر في القضية أمام هيئة مغايرة لضمان الحياد قُدم في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، لكن القرار القطعي صدر من ذات الهيئة التي نظرت طعون النائب العام سابقاً، وهو ما وصفته الهيئة بأنه التفاف على ضمانات المحاكمة العادلة.

اتهامات بـ”خيانة سياسية” ودعم غير مباشر للاحتلال

القضية لم تبقَ في الإطار القانوني فحسب، بل تحولت إلى ساحة مواجهة سياسية، حيث اعتبر ناشطون أن الأحكام القاسية تعكس “انحيازاً رسمياً” يضع الدولة في موقع متناقض مع المزاج الشعبي الأردني الداعم للمقاومة الفلسطينية.

منتقدو الحكم ذهبوا أبعد من ذلك، معتبرين أن استمرار تجريم دعم المقاومة يرقى إلى “دعم غير مباشر للاحتلال”، عبر تجفيف أي قنوات إسناد أو تضامن عملي مع الفلسطينيين، في وقت تتصاعد فيه مشاهد العدوان في غزة والضفة الغربية.

في المقابل، تدافع جهات رسمية عن القانون باعتباره أداة ضرورية لحماية الأمن الوطني ومنع انزلاق البلاد إلى صراعات مسلحة عابرة للحدود، خاصة في ظل هشاشة الإقليم وتعدد الفاعلين المسلحين.

غير أن هذا الطرح يواجه تساؤلات حادة: هل يمكن الفصل بين الأمن الوطني وحق الشعوب في مقاومة الاحتلال؟ وأين يقف التشريع الأردني بين الالتزامات الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب وحق تقرير المصير؟

البرلمان أمام اختبار تاريخي

دعوة هيئة الدفاع للبرلمان الأردني تمثل تحدياً مباشراً للسلطة التشريعية، إذ وضعت النواب أمام مسؤولية تعديل قانون يُنظر إليه باعتباره من أكثر القوانين حساسية في المنظومة القانونية الأردنية.

الهيئة طالبت بنص صريح يوقف تجريم المقاومة ويعيد تعريف الأفعال المرتبطة بها، معتبرة أن دعم الكفاح المسلح ضد الاحتلال لا يمس أمن الدولة، بل ينسجم مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والاتفاقيات العربية ذات الصلة.

هذا الطرح، إن وجد طريقه إلى البرلمان، سيفتح نقاشاً عميقاً حول طبيعة العلاقة بين الأردن والقضية الفلسطينية، وحدود الالتزام بالاتفاقيات الدولية، والتوازن بين التحالفات الإقليمية والشرعية الشعبية.

كما يأتي الحكم في وقت حساس، بعد أيام من صدور أحكام أخرى بالسجن 10 سنوات بحق موقوفين بتهمة التخطيط لتنفيذ عمليات في فلسطين والتسلل عبر الحدود الشمالية، ما يعكس توجهاً قضائياً واضحاً في التعامل الصارم مع أي نشاط مرتبط بالمقاومة.

بين الشرعية القانونية والشرعية الشعبية

الجدل الدائر اليوم في الأردن يتجاوز قضية ثلاثة معتقلين، ليطرح سؤالاً أوسع حول تعريف الإرهاب وحدود المقاومة، وحول ما إذا كان القانون يواكب التحولات السياسية أم يبقى أسيراً لمقاربات أمنية تقليدية.

أنصار التعديل يرون أن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة شاملة للتشريعات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، خصوصاً في ظل اتساع رقعة التضامن الشعبي والاحتجاجات المطالبة بقطع كل أشكال التطبيع ودعم صمود الفلسطينيين.

في المقابل، يحذر آخرون من أن أي تعديل قد يُفسر خارجياً كتنازل عن التزامات مكافحة الإرهاب، ما قد يعرّض البلاد لضغوط سياسية ودبلوماسية.

وبين هذين المسارين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحول قانون “منع الإرهاب” إلى ساحة مواجهة جديدة بين الدولة والمجتمع حول تعريف الوطنية وحدود التضامن مع المقاومة؟ أم أن البرلمان سيختار إبقاء النصوص على حالها، ولو على حساب اتساع الفجوة مع الشارع؟

ما هو واضح أن الأحكام الأخيرة أعادت إشعال نقاش كان كامناً لسنوات، وجعلت من ملف “دعم المقاومة” عنواناً مركزياً في معادلة السياسة الأردنية، حيث يتقاطع القانون مع الأخلاق، والأمن مع التاريخ، والسيادة مع الالتزام بالقضية الفلسطينية.

اقرأ أيضًا : هجمات الاحتلال والمستوطنين في الضفة تكشف تصعيدًا ممنهجًا ضد الفلسطينيين