تتواصل فصول التصعيد العسكري في منطقة الخليج، مع اتساع رقعة الاستهدافات الإيرانية لمواقع في عدة دول خليجية صباح اليوم الأحد، في تطور خطير يأتي رداً على الهجوم الإسرائيلي الأمريكي المشترك الذي استهدف العمق الإيراني، وأعقبه إعلان طهران اغتيال مرشدها الأعلى علي خامنئي. وبينما تتصاعد أعمدة الدخان في أكثر من عاصمة خليجية، تبدو المنطقة أمام مشهد مفتوح على احتمالات عسكرية وأمنية غير مسبوقة، تنذر بإعادة رسم معادلات الردع في الخليج.

دخان في الدوحة وحريق في جبل علي
في العاصمة القطرية الدوحة، شوهد عمود دخان كثيف يتصاعد من المنطقة الصناعية بعد دوي انفجار قوي، ما أثار حالة من القلق بين السكان. وأعلن الدفاع المدني القطري أنه تعامل مع حريق محدود ناتج عن سقوط شظايا صاروخ جرى اعتراضه من قبل الدفاعات الجوية، مؤكداً عدم تسجيل إصابات بشرية. ورغم الطابع المحدود للحادث، فإن دلالته السياسية والعسكرية تتجاوز الأضرار المادية، إذ يعكس انتقال ساحة المواجهة إلى قلب دول كانت تحاول حتى وقت قريب تجنب الانخراط المباشر في الصراع.
وفي الإمارات، تصاعد دخان كثيف من المنطقة الحرة في جبل علي بدبي، بعد سقوط شظايا صواريخ على أحد الأرصفة، ما تسبب في اندلاع حريق كبير. ولم تكشف السلطات عن تفاصيل دقيقة بشأن طبيعة الموقع المستهدف، إلا أن المكتب الإعلامي في دبي أقر بإصابة شخصين جراء سقوط شظايا من مسيرات تم اعتراضها فوق منزلين سكنيين. ويشكل استهداف منطقة حيوية اقتصادياً مثل جبل علي رسالة واضحة بأن البنية التحتية التجارية واللوجستية في الخليج لم تعد بمنأى عن الرد الإيراني.
البحرين وعُمان في دائرة الاستهداف
في البحرين، أفادت مصادر محلية بتواصل الاستهدافات في محيط مقر الأسطول الأمريكي الخامس، حيث شوهدت سحب دخان تتصاعد من المنطقة التي تضم منشآت عسكرية وفندقية يقيم فيها أفراد مرتبطون بالوجود العسكري الأمريكي. وتداولت حسابات محلية صوراً لتصاعد الدخان من ساحة أحد الفنادق القريبة، في مشهد يعكس هشاشة الفصل بين المنشآت العسكرية والمدنية في ظل التصعيد الراهن.
أما في سلطنة عُمان، فقد أعلنت السلطات عن استهداف ميناء الدقم بطائرتين مسيرتين، ما أسفر عن إصابة أحد العمال. وأصدرت الشرطة العمانية تحذيرات للقوارب السياحية وقوارب الصيد بضرورة تجنب النزول إلى البحر، في ظل تصاعد التوترات واحتمالات امتداد المواجهة إلى الممرات البحرية الحيوية. ويكتسب ميناء الدقم أهمية استراتيجية متزايدة في معادلات التجارة والطاقة، ما يجعل استهدافه مؤشراً على اتساع بنك الأهداف الإيرانية ليشمل نقاطاً لوجستية حساسة.
من الضربات الإسرائيلية إلى الرد الإيراني
هذا التصعيد يأتي في سياق رد إيراني واسع على هجمات إسرائيلية استهدفت منشآت عسكرية وأمنية داخل إيران، بدعم أمريكي مباشر. وكانت تل أبيب قد أعلنت تنفيذ عملية عسكرية واسعة استهدفت مواقع وصفتها بأنها تشكل تهديداً مباشراً، في حين تحدثت مصادر إيرانية عن سقوط ضحايا كبار في الهجمات، أبرزهم المرشد الأعلى علي خامنئي وفق الرواية الرسمية الإيرانية.
الضربات الإسرائيلية، التي طالت مواقع في طهران ومدن أخرى، اعتبرتها إيران تجاوزاً لخطوط حمراء، ووصفتها بأنها إعلان حرب مفتوحة. ومنذ ذلك الحين، بدأت طهران بتنفيذ ما أسمته “مرحلة الرد الشامل”، مستهدفة قواعد ومواقع مرتبطة بالوجود الأمريكي أو حلفائه في الخليج. ويبدو أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع نطاق الضغط ليشمل الدول التي تستضيف قواعد أمريكية أو تقدم تسهيلات لوجستية للقوات الغربية.
الخليج بين معادلات الردع والانكشاف الأمني
تكشف التطورات الأخيرة هشاشة المنظومة الأمنية في الخليج، رغم كثافة أنظمة الدفاع الجوي المنتشرة في المنطقة. فرغم اعتراض عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيرة، إلا أن سقوط الشظايا وحده كان كافياً لإحداث حرائق وإصابات، وإثارة حالة من القلق الشعبي. ويطرح ذلك تساؤلات حول قدرة هذه الدول على احتواء موجات تصعيد طويلة الأمد، في حال قررت إيران الاستمرار في استهدافات متقطعة وموزعة جغرافياً.
كما أن استهداف موانئ ومناطق صناعية وسكنية يعكس تحولاً في طبيعة المواجهة، من ضربات عسكرية تقليدية إلى نمط استنزاف متعدد الأبعاد، يمس الاقتصاد والملاحة البحرية والاستقرار الداخلي. ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في ظل أهمية موانئ الخليج لأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
في المحصلة، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق خطير، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية. وبينما تؤكد طهران أن ردها سيستمر طالما استمرت “الاعتداءات”، تلتزم دول الخليج خطاباً حذراً يركز على احتواء الأضرار وحماية المدنيين. غير أن استمرار الدخان في سماء العواصم الخليجية يشير إلى أن مرحلة جديدة من الصراع قد بدأت، عنوانها انكشاف الجغرافيا الخليجية أمام نيران المواجهة الكبرى.
اقرأ أيضا : ترامب يعلن الحرب على إيران ويشعل المنطقة من جديد