شهدت جزيرة سترة البحرينية، مساء أمس، مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، على خلفية تظاهرات خرجت تعبيراً عن التضامن مع إيران في ظل التصعيد العسكري المتواصل في المنطقة. وأظهرت مقاطع متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي اشتباكات مباشرة، تخللتها عمليات كرّ وفرّ، وسط انتشار أمني مكثف في الشوارع الرئيسية والمناطق السكنية.

وبحسب ناشطين، فإن الاحتجاجات بدأت بشكل محدود، قبل أن تتوسع مع تصاعد الشعارات المنددة بالهجمات الإسرائيلية والأمريكية على إيران، والتي طالت مواقع حيوية في طهران ومدن أخرى. غير أن السلطات البحرينية تعاملت مع التحركات بوصفها تهديداً للأمن الداخلي، خاصة في ظل ما وصفته بـ”العدوان الإيراني” الذي استهدف مواقع في البحرين ضمن موجة الردود الإقليمية.

وذكرت مصادر محلية أن قوات الأمن أوقفت عدداً من المشاركين في التظاهرات، فيما تحدثت حسابات معارضة عن استخدام القوة لتفريق المحتجين، وسط حالة توتر لا تزال تخيم على المنطقة.

وزارة الداخلية: “خيانة للوطن” ونشر محتوى مضلل

من جانبها، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية اعتقال أشخاص “تورطوا في ارتكاب مخالفات جسيمة تمس أمن المجتمع”، مؤكدة أن إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية رصدت منذ بداية الهجمات الإيرانية محتويات اعتبرتها تحريضية أو متعاطفة مع “الاعتداء الآثم”، بحسب وصف البيان الرسمي.

وأوضحت الوزارة أن من بين المخالفات نشر صور مفبركة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي تُظهر دماراً في منازل، وتداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي بما يسهم – وفق البيان – في تضليل الرأي العام وبث الخوف بين المواطنين والمقيمين. واعتبرت أن هذا السلوك يمثل “خيانة للوطن”، في إشارة واضحة إلى أن أي تعاطف مع إيران يُنظر إليه رسمياً بوصفه اصطفافاً ضد الدولة.

غير أن منتقدين رأوا في هذه الإجراءات امتداداً لسياسة تضييق المجال العام، معتبرين أن توسيع مفهوم “التهديد الأمني” ليشمل التعبير السياسي أو التضامن الإقليمي يعكس هشاشة داخلية أكثر مما يعكس قوة ردع.

حديث عن دخول “درع الجزيرة”.. استعادة مشهد 2011

في تطور لافت، تحدث ناشطون عن دخول قوات “درع الجزيرة” التابعة لمجلس التعاون الخليجي إلى البحرين عبر الأراضي السعودية، لدعم الأجهزة الأمنية في مواجهة الاحتجاجات. ورغم عدم صدور تأكيد رسمي مستقل حول هذا الأمر، فإن مجرد تداول هذا السيناريو أعاد إلى الأذهان أحداث عام 2011، حين دخلت قوات خليجية إلى البحرين لدعم الحكومة في مواجهة احتجاجات واسعة.

إعادة استدعاء هذا المشهد في سياق التوتر الحالي تعكس حساسية الوضع البحريني، خاصة في ظل تصاعد المواجهة الإقليمية بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. فالبحرين، بحكم موقعها الجغرافي الصغير وحضورها السياسي ضمن محور التطبيع والتحالفات الأمنية مع واشنطن، تجد نفسها في قلب العاصفة.

الأسطول الأمريكي الخامس.. عبء الحماية أم مصدر الاستهداف؟

تحتضن البحرين مقر الأسطول الخامس الأمريكي، وهو أحد أهم القواعد العسكرية للولايات المتحدة في الخليج. ومنذ سنوات، يشكل هذا الوجود ركيزة أساسية في البنية الأمنية للمنامة، لكنه في الوقت نفسه يجعلها عرضة لتبعات أي تصعيد بين واشنطن وخصومها الإقليميين.

منتقدو السياسات الرسمية يرون أن ارتهان القرار الأمني البحريني للمظلة الأمريكية حوّل البلاد إلى ساحة محتملة لتصفية الحسابات، خصوصاً مع انخراط واشنطن المباشر في الهجمات الأخيرة على إيران. ويعتبر هؤلاء أن الوجود العسكري الأمريكي لم يعد مجرد ضمانة حماية، بل بات عاملاً محفزاً للتوتر، يجلب معه مخاطر الردود الانتقامية.

وفي المقابل، تؤكد السلطات أن الشراكة مع الولايات المتحدة جزء من التزامات استراتيجية لضمان أمن الملاحة وحماية الاستقرار الخليجي، وأن أي اضطرابات داخلية لن تؤثر على جاهزية الدولة ومؤسساتها.

بين الاستقطاب الإقليمي والاحتقان الداخلي

تعكس أحداث سترة هشاشة التوازن الداخلي في البحرين، حيث يتداخل البعد الإقليمي مع الانقسامات السياسية والاجتماعية المحلية. فالتعاطف مع إيران، سواء كان تعبيراً سياسياً أو موقفاً احتجاجياً، يتجاوز في نظر الدولة حدود الرأي ليصبح مسألة أمن قومي، خاصة في ظل اتهامات متبادلة بشأن استهداف منشآت حيوية في الخليج.

ويرى مراقبون أن استمرار التصعيد الإقليمي قد ينعكس بمزيد من التوتر على الساحة البحرينية، لا سيما إذا استمرت الهجمات المتبادلة أو توسعت رقعتها. فالمجتمع البحريني، الذي عاش تجربة احتجاجات حادة في العقد الماضي، لا يزال يتأثر سريعاً بأي تحولات إقليمية، خصوصاً حين ترتبط بإيران أو بالوجود العسكري الأمريكي.

في المحصلة، تبدو البحرين اليوم عالقة بين نارين: نار المواجهة الإقليمية المتصاعدة، ونار الاحتقان الداخلي الذي يطفو إلى السطح كلما اهتزت معادلات القوة في المنطقة. وبينما تؤكد السلطات عزمها على فرض القانون ومنع أي مساس بالأمن، يطرح الشارع أسئلة أعمق حول حدود السيادة، وطبيعة التحالفات، وثمن الاصطفاف في صراعات كبرى تتجاوز جغرافيا الجزيرة الصغيرة.

اقرأ أيضًا : إغلاق مضيق هرمز يشعل أسواق الطاقة ويفضح مغامرة واشنطن وتل أبيب ضد إيران