دخلت المواجهة بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي مرحلة أكثر حساسية بعد إعلان الحزب فجر اليوم تنفيذ هجوم مركّب بسرب من الطائرات المسيّرة استهدف مواقع الرادارات وغرف التحكم في قاعدة “رامات دافيد” شمال الأراضي المحتلة. وتزامن ذلك مع دفعة صاروخية قُدّرت بنحو 15 صاروخاً أُطلقت باتجاه شمال فلسطين المحتلة، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية.
الاستهداف لم يكن عادياً من حيث طبيعته ولا من حيث رمزيته العسكرية. فمواقع الرادارات وغرف التحكم تمثل “العين الإلكترونية” لمنظومات الدفاع الجوي، وضربها – أو حتى التشويش عليها – يعني محاولة إرباك البنية الاستخبارية والإنذارية للجيش الإسرائيلي. ويبدو أن الحزب أراد إيصال رسالة مزدوجة: أولاً، أن قدرته على العمل في عمق الشمال الإسرائيلي ما زالت قائمة رغم الضربات المكثفة؛ وثانياً، أن المعركة لم تعد تقتصر على تبادل قصف تقليدي، بل دخلت نطاق الحرب التقنية التي تستهدف البنية التحية العسكرية الحساسة.

الاحتلال يرد بأوامر إخلاء وغارات على الضاحية
في المقابل، لم يتأخر رد الاحتلال. إذ أصدر المتحدث باسم جيش الاحتلال أوامر إخلاء لمبنى في حي الحدث في الضاحية الجنوبية لبيروت، تبعتها غارتان على المنطقة، إضافة إلى إصدار أوامر إخلاء شملت 59 قرية في جنوب لبنان، مهدداً بالتحرك “ضد نشاطات حزب الله”.
هذه السياسة، التي تتكرر منذ بدء جولات التصعيد الأخيرة، تعتمد على مزيج من الضغط العسكري والنفسي. فأوامر الإخلاء الجماعية تهدف إلى خلق حالة نزوح واسعة وإرباك البيئة الحاضنة للمقاومة، فضلاً عن تكريس صورة أن الاحتلال يمسك بزمام المبادرة الميدانية. إلا أن هذه الأوامر تأتي في سياق خروقات شبه يومية لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، والذي لم يصمد عملياً أمام الرغبة الإسرائيلية في فرض معادلات جديدة بالقوة.
الغارات التي استهدفت الضاحية الجنوبية – معقل حزب الله – تجاوزت عشر ضربات خلال يوم واحد، بحسب مصادر لبنانية، وأسفرت عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى خلال الأيام الماضية. ويعكس هذا التصعيد انتقال المواجهة من “الرد المحدود” إلى سياسة “المعركة الهجومية” التي أعلنها الاحتلال رسمياً، متوقعاً استمرارها لأيام.
تداخل الجبهات: من بيروت إلى طهران
لا يمكن قراءة ما يجري على الجبهة اللبنانية بمعزل عن العدوان الأمريكي الإسرائيلي المتواصل على إيران منذ السبت، والذي أدى إلى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين. هذا الحدث المفصلي غيّر قواعد الاشتباك في الإقليم، وفتح الباب أمام احتمال توسع الحرب لتشمل ساحات متعددة.
بالنسبة لحزب الله، فإن استهداف المواقع الإسرائيلية يأتي في سياق الرد على الاعتداءات المتواصلة على لبنان، لكنه أيضاً يحمل بعداً استراتيجياً مرتبطاً بالرد على اغتيال خامنئي، الحليف الأبرز لمحور المقاومة. فالحزب يرى نفسه جزءاً من معادلة إقليمية تتعرض لهجوم مباشر، وبالتالي فإن أي صمت يُفسَّر على أنه ضعف أو تراجع.
أما الاحتلال، فيحاول استثمار اللحظة الإقليمية لفرض واقع أمني جديد على حدوده الشمالية، مستفيداً من الغطاء الأمريكي الكامل. فالهجوم المشترك على إيران لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل رسالة سياسية بأن واشنطن وتل أبيب مستعدتان لإعادة رسم توازنات المنطقة بالقوة، حتى لو أدى ذلك إلى إشعال جبهات متزامنة.
بين الردع والانفجار الشامل
السؤال المحوري الآن: هل نحن أمام جولة تصعيد محدودة أم بداية حرب واسعة؟ المؤشرات الميدانية توحي بأن الطرفين ما زالا يتحركان ضمن سقف محسوب، رغم ارتفاع منسوب النيران. حزب الله يستهدف مواقع عسكرية حساسة لكنه يتجنب – حتى اللحظة – توسيع بنك الأهداف إلى عمق استراتيجي بعيد. والاحتلال يرد بضربات مركزة وأوامر إخلاء، مع التلويح بعملية أوسع دون إعلان حرب شاملة.
غير أن هامش الخطأ في مثل هذه الظروف ضيق للغاية. ضربة تصيب هدفاً مدنياً كبيراً، أو خسارة بشرية غير مسبوقة في أحد المعسكرين، قد تدفع الأمور إلى انفلات لا يمكن احتواؤه. كما أن انخراط الولايات المتحدة المباشر في العدوان على إيران يرفع احتمالية انتقال المواجهة إلى مستوى إقليمي شامل، حيث تتداخل الساحات اللبنانية والسورية والعراقية وربما الخليجية.
خروقات وقف إطلاق النار وانهيار الثقة
منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار أواخر 2024، شهد الجنوب اللبناني مئات الخروقات الإسرائيلية، وفق تقارير ميدانية، ما أضعف الثقة بالمسار الدبلوماسي. ومع كل خرق جديد، يتآكل ما تبقى من الالتزامات المتبادلة، وتتحول التفاهمات إلى مجرد أوراق بلا ضمانات.
إسرائيل ترى أن الضربات الوقائية ضرورية لمنع تعاظم قدرات حزب الله، فيما يعتبر الحزب أن استمرار الاعتداءات يبرر الرد العسكري المباشر. وفي ظل غياب وسيط دولي فاعل قادر على فرض تهدئة حقيقية، تبدو الساحة اللبنانية مرشحة لمزيد من الاشتعال.
مشهد إقليمي مفتوح على المجهول
ما يجري اليوم ليس مجرد تبادل نار على الحدود، بل فصل جديد من صراع إقليمي مفتوح منذ سنوات. العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، واستهداف قياداتها، فتح باباً واسعاً أمام إعادة تموضع القوى في المنطقة. ولبنان، بحكم موقعه وتركيبته السياسية والأمنية، يقف في قلب هذا الزلزال.
استهداف الرادارات وغرف التحكم في رامات دافيد يعكس تطوراً في طبيعة العمليات، بينما أوامر الإخلاء الواسعة في الجنوب والضاحية تعكس استعداد الاحتلال لتوسيع نطاق المواجهة. وبين هذين المسارين، يقف المدنيون في لبنان وشمال فلسطين المحتلة أمام واقع أمني هش، قد ينقلب في أي لحظة إلى حرب شاملة تتجاوز كل الحسابات.
اقرأ أيضًا : هجوم على رأس تنورة يشعل أسواق الطاقة ويكشف تداعيات العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران