مع دخول العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران أسبوعه الثاني، بدأت تتكشف ملامح معركة مختلفة عما خططت له واشنطن وتل أبيب. فبينما راهنت الإدارة الأمريكية على تفوقها الجوي والتكنولوجي الساحق، تشير تقارير عسكرية وإعلامية أمريكية إلى أن سلاحاً بسيطاً نسبياً قلب المعادلة جزئياً، وهو الطائرات المسيّرة الإيرانية منخفضة التكلفة. ووفق تقرير نشره موقع “ذا هيل”، فإن أسراب هذه الطائرات أصبحت تمثل تحدياً متزايداً للجيش الأمريكي وحلفائه في المنطقة، بعدما نجحت موجات منها في اختراق أنظمة الدفاع الجوي واستهداف قواعد عسكرية أمريكية في الخليج، الأمر الذي أسفر بالفعل عن مقتل ستة جنود أمريكيين. هذه التطورات تكشف جانباً خطيراً من طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد التفوق التكنولوجي وحده كافياً لحسم المعارك، بل أصبح السلاح الأرخص والأكثر انتشاراً قادراً على استنزاف الجيوش الأكثر تطوراً في العالم.
اختراق الدفاعات: الطائرات الرخيصة تهزم الأنظمة الباهظة
أحد أبرز أوجه الأزمة التي يواجهها الجيش الأمريكي يتمثل في المفارقة الاقتصادية والعسكرية بين تكلفة الهجوم والدفاع. فالمسيّرة الإيرانية من طراز “شاهد 136” تُقدّر تكلفتها بنحو 20 ألف دولار فقط، في حين تضطر الولايات المتحدة إلى استخدام صواريخ اعتراضية متطورة مثل “باتريوت” أو “ثاد” لإسقاطها، وهي صواريخ قد تصل تكلفة الواحد منها إلى ملايين الدولارات. هذه المعادلة غير المتكافئة تعني أن إيران تستطيع إطلاق مئات الطائرات الرخيصة لإجبار الدفاعات الأمريكية على استنزاف مخزونها من الصواريخ باهظة الثمن.
وفي إحاطات مغلقة قُدمت للكونغرس الأمريكي هذا الأسبوع، كشف مسؤولون في وزارة الحرب الأمريكية أن بعض هذه الطائرات نجح في تجاوز أنظمة الدفاع الجوي، ما وضع القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج تحت ضغط مستمر. وتؤكد هذه التطورات أن الهجمات المسيّرة لم تعد مجرد تهديد تكتيكي محدود، بل أصبحت سلاحاً استراتيجياً قادراً على إرباك أقوى الجيوش في العالم.
استراتيجية الاستنزاف: الموت بألف جرح صغير
يرى خبراء عسكريون أن ما يجري ليس مجرد استخدام عشوائي للطائرات المسيّرة، بل جزء من استراتيجية مدروسة تهدف إلى استنزاف القوة العسكرية الأمريكية. فقد وصف كولين كلارك، المدير التنفيذي لمركز سوفان للأبحاث، هذه الاستراتيجية بأنها تقوم على مبدأ “الموت بألف جرح صغير”، حيث تعتمد إيران على إرسال موجات متكررة من الطائرات الرخيصة لإجبار الولايات المتحدة على إنفاق موارد ضخمة لاعتراضها.
وبهذه الطريقة، تستطيع طهران تحويل التفوق التكنولوجي الأمريكي إلى عبء اقتصادي وعسكري. فكل طائرة مسيّرة يتم إسقاطها قد تكلف الولايات المتحدة أضعاف ثمنها عشرات أو مئات المرات. ومع استمرار هذه الهجمات لأسابيع أو حتى أشهر، قد تجد واشنطن نفسها أمام استنزاف حقيقي لمخزونها من الذخائر الدفاعية.
صدمة البنتاغون: تهديد أكبر مما كان متوقعاً
خلال جلسة إحاطة للكونغرس، اعترف وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين بأن الطائرات المسيّرة الهجومية تشكل مشكلة أكبر مما كان متوقعاً في بداية الحرب. وأشار المسؤولان إلى أن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية لن تكون قادرة على اعتراض جميع هذه الطائرات، وهو اعتراف يعكس حجم التحدي الذي يواجهه الجيش الأمريكي في هذا النوع من الحروب غير التقليدية.
ورغم تأكيد المسؤولين العسكريين أن الأنظمة الدفاعية الأمريكية أثبتت فعاليتها في التعامل مع العديد من هذه الهجمات، فإنهم لم يقدموا أرقاماً واضحة حول عدد الطائرات التي تم إسقاطها أو تلك التي نجحت في الوصول إلى أهدافها. ويثير هذا الغموض تساؤلات حول حجم الخسائر الحقيقية التي تكبدتها القواعد الأمريكية في المنطقة.
تأخر الابتكار العسكري الأمريكي في مواجهة حرب المسيّرات
من جهته، حذر بريت فيليكوفيتش، وهو جندي سابق في قوات العمليات الخاصة الأمريكية عمل مع وحدات الطائرات المسيّرة في أوكرانيا، من أن الولايات المتحدة تأخرت في الاستعداد لحروب الطائرات بدون طيار. وأوضح أن الخبراء كانوا يدقون ناقوس الخطر منذ سنوات، خاصة بعد التجارب التي شهدتها الحرب في أوكرانيا، حيث أصبحت المسيّرات جزءاً أساسياً من العمليات العسكرية.
لكن المشكلة، بحسب فيليكوفيتش، تكمن في البيروقراطية المعقدة داخل نظام التعاقدات الفيدرالي الأمريكي، الذي يبطئ عملية تطوير التقنيات العسكرية الجديدة. ورغم محاولات وزير الدفاع العام الماضي تقليل هذه البيروقراطية وتسريع الابتكار، فإن التغييرات لم تكن بالسرعة المطلوبة لمواكبة التطورات المتسارعة في ساحة المعركة.
تصنيع بسيط وانتشار واسع يصعب القضاء عليه
ما يزيد من خطورة الطائرات المسيّرة الإيرانية هو بساطة تصنيعها وسهولة إنتاجها بكميات كبيرة. فبحسب الباحثة كيلي غريكو من مركز ستيمسون، يمكن تجميع بعض هذه الطائرات في ورش صغيرة أو حتى في مرائب المنازل، وهو ما يجعل من الصعب على الاستخبارات الأمريكية تحديد مواقع إنتاجها أو تدمير خطوط تصنيعها.
كما أن انتشار هذه التكنولوجيا بين حلفاء إيران في المنطقة يزيد من تعقيد المشهد العسكري. إذ تشير تقارير إلى أن طهران نقلت عدداً كبيراً من الطائرات المسيّرة إلى حلفائها، مثل جماعة الحوثي في اليمن، ما يفتح الباب أمام هجمات من جبهات متعددة يصعب التنبؤ بها.
حرب الطائرات المسيّرة تعيد تشكيل معادلات الصراع
إطلاق إيران أكثر من 1500 طائرة مسيّرة منذ بداية الحرب، إضافة إلى مئات الصواريخ، يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة الصراعات العسكرية الحديثة. فبدلاً من الاعتماد فقط على الأسلحة التقليدية باهظة التكلفة، أصبحت الدول تعتمد على أدوات منخفضة الكلفة لكنها عالية التأثير.
وتشير هذه التطورات إلى أن الحروب المستقبلية قد لا تُحسم فقط بالتفوق العسكري التقليدي، بل بقدرة الأطراف على استخدام أدوات بسيطة وفعالة لاستنزاف خصومها. وفي ظل استمرار العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، تبدو الطائرات المسيّرة الإيرانية وكأنها تحولت إلى سلاح استراتيجي يفرض معادلة جديدة في ميزان القوة، ويكشف في الوقت نفسه حدود الهيمنة العسكرية الأمريكية في المنطقة.
اقرأ أيضًا : اعتذار إيراني لدول الجوار “الخليج” ورسائل ردع مشروطة في خضم الحرب