تكشف التطورات المتسارعة في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران عن معادلة جديدة في الخليج، حيث تجد دول المنطقة نفسها في قلب صراع لم تختره لكنها تتحمل كلفته الأمنية والاقتصادية. فبحسب مصادر إقليمية ومحللين سياسيين، بدأت حالة من الاستياء تتصاعد داخل العواصم الخليجية نتيجة جر المنطقة إلى حرب أشعلتها واشنطن، بينما أصبحت منشآت الطاقة والموانئ والمطارات في الخليج أهدافًا مباشرة للرد الإيراني.

ويشير مراقبون إلى أن دول الخليج حاولت منذ البداية تجنب الانخراط في هذا الصراع، مؤكدة لإيران أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لشن عمليات عسكرية ضدها. غير أن تلك الرسائل لم تمنع طهران من استهداف مواقع في المنطقة، الأمر الذي وضع دول الخليج في موقف صعب: فهي من جهة حليف استراتيجي لواشنطن، ومن جهة أخرى أصبحت ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى الكبرى.

وتتحدث مصادر سياسية عن تزايد القلق في الخليج من أن تتحول الحرب إلى صراع طويل يهدد الاستقرار الاقتصادي والأمني الذي بنت عليه دول المنطقة مشاريعها التنموية الكبرى، خصوصًا مع اعتماد اقتصاداتها بشكل كبير على الاستقرار الإقليمي وسلاسة حركة التجارة والطاقة.

الاقتصاد الخليجي أول المتضررين من المواجهة

لم يقتصر تأثير الحرب على الجانب العسكري، بل امتد بسرعة إلى الاقتصاد الخليجي الذي بدأ يشعر بارتدادات المواجهة. فتعطل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، أدى إلى اضطرابات واسعة في سوق النفط والغاز، كما أثار مخاوف المستثمرين والشركات الدولية.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن توقف أو تعطل حركة الطاقة عبر المضيق يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط العالمية، لكنه في الوقت نفسه يهدد صادرات دول الخليج نفسها ويعرّض منشآتها الحيوية لخطر الاستهداف العسكري.

كما تعرض قطاع الطيران لضربة قوية مع إغلاق أجزاء واسعة من المجال الجوي في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى إلغاء عشرات الآلاف من الرحلات الجوية. وتعد هذه الاضطرابات من أكبر الأزمات التي تواجه حركة الطيران العالمية منذ جائحة كورونا.

إلى جانب ذلك، تضرر قطاع السياحة الخليجي الذي كان أحد ركائز التنويع الاقتصادي في دول مثل الإمارات والسعودية وقطر، حيث تعتمد هذه الدول على صورة الاستقرار والأمان لجذب السياح والمستثمرين. ومع تصاعد التوتر العسكري، أصبحت هذه الصورة مهددة بشكل واضح.

مأزق استراتيجي بين التحالف مع واشنطن ومخاوف التصعيد

تجد دول الخليج نفسها اليوم في معضلة استراتيجية معقدة. فمنذ عقود، قامت العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة على معادلة واضحة: النفط والاستثمارات مقابل الحماية الأمنية. لكن الحرب الحالية أعادت طرح تساؤلات عميقة حول مدى قدرة واشنطن على حماية حلفائها أو حتى مراعاة مصالحهم عند اتخاذ قرارات الحرب.

ويشير محللون إلى أن بعض دول الخليج بدأت تشعر بأن القرارات الكبرى في واشنطن تُتخذ دون تشاور حقيقي مع الحلفاء الإقليميين، وهو ما ظهر بوضوح في اندلاع المواجهة مع إيران. فالكثير من المسؤولين الخليجيين يرون أن الحرب بدأت بسرعة كبيرة ودون تقييم شامل لتداعياتها على المنطقة.

ومع ذلك، لا يخلو المشهد من تناقض واضح، إذ ترى بعض النخب السياسية الخليجية أن إنهاء الحرب دون حسم قد يكون أكثر خطورة من استمرارها. فإيران، في نظر هذه الأطراف، قد تتحول إلى ما يشبه “الأسد الجريح”، ما يعني احتمالية استمرار الهجمات أو تصاعدها في المستقبل.

هذا التناقض يضع دول الخليج بين خيارين صعبين: إما استمرار الحرب بكل مخاطرها، أو وقفها دون ضمانات أمنية كافية.

إعادة التفكير في منظومة الأمن الإقليمي

أحد أبرز نتائج الحرب الجارية هو دفع دول الخليج إلى إعادة تقييم منظومة الأمن التي اعتمدت عليها لعقود. فالهجمات التي طالت منشآت حيوية في المنطقة، رغم الوجود العسكري الأمريكي، أثارت تساؤلات حول فعالية المظلة الأمنية التقليدية.

ويعتقد خبراء في العلاقات الدولية أن هذه الحرب قد تدفع دول الخليج إلى تسريع سياسة تنويع الشراكات الدولية، سواء مع قوى كبرى أخرى أو عبر تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية. كما قد تدفع بعض الدول إلى التفكير في ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، حتى مع خصومها التقليديين.

وقد ظهرت هذه الهواجس سابقًا بعد الهجوم الذي استهدف منشآت النفط السعودية في بقيق وخريص عام 2019، عندما شعرت الرياض بأن الرد الأمريكي لم يكن بحجم التهديد الذي تعرضت له.

أما اليوم، فإن الحرب الحالية تعيد إحياء تلك المخاوف، لكنها هذه المرة تأتي في سياق إقليمي أكثر تعقيدًا وخطورة.

انتقادات داخلية نادرة لسياسات الحرب

لم تقتصر الانتقادات على الأوساط السياسية فقط، بل بدأت تظهر أيضًا في بعض الأوساط الاقتصادية ورجال الأعمال في الخليج، الذين يتساءلون عن جدوى الحرب وتكلفتها على المنطقة.

ويرى بعضهم أن الحرب تبدو وكأنها صيغت وفق حسابات استراتيجية لا تراعي مصالح دول الخليج بشكل كافٍ، خصوصًا مع تعاظم الخسائر الاقتصادية والتوتر الأمني.

وتتزايد هذه الانتقادات في ظل مخاوف من أن يؤدي استمرار تعطيل الملاحة في مضيق هرمز إلى أزمة عالمية في الطاقة، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على الاقتصادات الخليجية نفسها.

الخليج أمام مرحلة إقليمية جديدة

مع استمرار الحرب وتزايد تداعياتها، يبدو أن منطقة الخليج تقف على أعتاب مرحلة جديدة من التحولات الجيوسياسية. فالمواجهة الحالية لا تعيد رسم موازين القوى فحسب، بل تفتح أيضًا بابًا واسعًا لإعادة التفكير في طبيعة التحالفات الإقليمية والدولية.

وبينما تحاول دول الخليج الحفاظ على توازن دقيق بين تحالفها مع الولايات المتحدة ومخاوفها من التصعيد الإيراني، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع هذه الدول الخروج من الحرب بأقل الخسائر، أم أنها ستظل تدفع ثمن صراع لم يكن خيارها منذ البداية؟

اقرأ أيضًا : تصعيد غير مسبوق.. حزب الله يضرب قاعدة شمشون ويستهدف الصناعات العسكرية الإسرائيلية