شهدت مياه الخليج العربي ومضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا خطيرًا تمثل في سلسلة هجمات استهدفت عدة سفن تجارية وناقلات وقود، في تطور يعكس انتقال المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها إلى ساحة الملاحة البحرية، أحد أكثر الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي.
وبحسب تقارير أمنية بحرية وشركات إدارة المخاطر، تعرضت أربع سفن على الأقل لضربات بمقذوفات مجهولة أثناء عبورها المضيق، فيما أشارت معلومات ميدانية إلى أن زوارق سريعة محملة بالمتفجرات استهدفت ناقلتي وقود في المياه العراقية، ما أدى إلى اندلاع حرائق كبيرة ومقتل أحد أفراد الطاقم.
ويمثل هذا التصعيد جزءًا من سلسلة هجمات بحرية أوسع، إذ ارتفع عدد السفن التي تعرضت للاستهداف في المنطقة منذ بداية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير إلى ما لا يقل عن ست عشرة سفينة، في مؤشر واضح على أن المعركة باتت تتخذ طابعًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يتجاوز حدود الضربات العسكرية التقليدية.

ناقلات وقود عراقية في مرمى الهجمات البحرية
وقعت إحدى أخطر هذه الهجمات بالقرب من السواحل العراقية، حيث استهدفت زوارق مسلحة ناقلتي وقود أثناء عمليات التحميل الجانبي في المياه الإقليمية.
الناقلة الأولى، المسماة “سيفسي فيشنو” والتي ترفع علم جزر مارشال، كانت مؤجرة لشركة عراقية متعاقدة مع شركة تسويق النفط العراقية “سومو”، بينما كانت الناقلة الثانية “زيفيروس” التي ترفع علم مالطا محملة بمكثفات صادرة عن شركة غاز البصرة.
وأدت الضربات إلى اندلاع النيران في السفينتين وسط حالة من الفوضى البحرية، فيما تدخلت سفينة إنقاذ تابعة لشركة الموانئ العراقية لإجلاء أفراد الطاقم. وأكد مسؤولون عراقيون إنقاذ خمسة وعشرين بحارًا، بينما عُثر على جثة أحد أفراد الطاقم في المياه، في حين تواصل فرق الإنقاذ البحث عن مفقودين آخرين.
كما أعلنت السلطات العراقية تعليق عمليات الموانئ النفطية بالكامل عقب الهجمات، وهو قرار يعكس حجم القلق من توسع الاستهداف إلى منشآت الطاقة الحيوية في المنطقة.
الحرس الثوري يعلن المواجهة البحرية المباشرة
في موازاة الهجمات، صعّد الحرس الثوري الإيراني من لهجته، مؤكدًا أنه لن يسمح بتدفق النفط إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حلفائهما إذا استمرت الهجمات على الأراضي الإيرانية.
وأعلن الحرس مسؤوليته عن استهداف سفن في مضيق هرمز، من بينها سفينة قال إنها مملوكة لإسرائيل وترفع علم ليبيريا، إضافة إلى سفينة حاويات تايلاندية تعرضت لقذائف إيرانية بعد تجاهلها أوامر التوقف.
كما أقرّ بإطلاق النار على سفينة الشحن “مايوري ناري” التي أصيبت بمقذوفين أثناء عبورها المضيق، ما أدى إلى اندلاع حريق داخل غرفة المحرك وفقدان ثلاثة من أفراد الطاقم الذين يُعتقد أنهم كانوا محاصرين داخلها قبل عمليات الإنقاذ.
ويمثل هذا الإعلان أول اعتراف صريح من الحرس الثوري باشتباك مباشر مع سفن تجارية في المضيق، بعد أن كانت العمليات الإيرانية سابقًا تعتمد أساسًا على الصواريخ والطائرات المسيّرة.
موجة هجمات متفرقة تضرب سفنًا آسيوية وأوروبية
لم تقتصر الهجمات على الناقلات النفطية، إذ أفادت شركات أمن بحري بأن سفينة الحاويات اليابانية “وان ماجيستي” تعرضت لأضرار طفيفة نتيجة مقذوف مجهول قرب سواحل الإمارات.
كما أصيبت ناقلة بضائع أخرى تحمل علم جزر مارشال بأضرار في بدنها بعد إصابتها بمقذوف أثناء رسوها في الخليج، بينما سجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية حادثًا آخر أدى إلى اندلاع حريق محدود على متن سفينة حاويات قرب ميناء جبل علي.
هذه الحوادث المتفرقة تشير إلى أن المضيق أصبح ساحة مفتوحة لعمليات استهداف متعددة، بعضها قد يكون من تنفيذ أطراف مختلفة، بينما يرى محللون أن إيران تسعى إلى فرض معادلة ردع جديدة عبر إظهار قدرتها على تعطيل التجارة العالمية.
مضيق هرمز بين الحرب والطاقة العالمية
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره ما يقارب خمس صادرات النفط العالمية.
ومع تصاعد الهجمات الأخيرة، بدأت حركة الملاحة في المضيق تتباطأ بشكل ملحوظ، حيث تجنبت العديد من شركات الشحن عبوره أو طلبت تأمينًا عسكريًا لمرافقة سفنها.
لكن مصادر في قطاع الشحن أكدت أن البحرية الأمريكية رفضت حتى الآن توفير مرافقة عسكرية منتظمة للسفن التجارية بسبب المخاطر المرتفعة، وهو ما يزيد من حالة القلق لدى الشركات العالمية التي تعتمد على هذا الطريق الحيوي لنقل الطاقة.
وقد انعكس هذا التوتر فورًا على الأسواق العالمية، إذ ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022 وسط مخاوف من تعطل الإمدادات القادمة من الخليج.
مواجهة اقتصادية مفتوحة بين واشنطن وطهران
في المقابل، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتكثيف الضربات العسكرية ضد إيران إذا حاولت تعطيل صادرات النفط عبر المضيق، مؤكدًا أن الأسطول الإيراني “اختفى تقريبًا” وأن على شركات الطاقة الاستمرار في استخدام الممر البحري.
غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن طهران تسعى إلى استخدام ورقة المضيق كأداة ضغط استراتيجية، إذ يمثل تعطيل الملاحة فيه أحد أخطر السيناريوهات بالنسبة للاقتصاد العالمي.
ويرى مراقبون أن ما يحدث في الخليج لم يعد مجرد ردود فعل عسكرية متبادلة، بل تحول إلى معركة نفوذ على شريان الطاقة العالمي، حيث تحاول إيران فرض تكلفة اقتصادية على خصومها مقابل استمرار الضربات على أراضيها.
وفي ظل غياب مؤشرات على تهدئة قريبة، يبدو أن مضيق هرمز بات يقف على حافة أزمة بحرية قد تعيد رسم موازين القوة في المنطقة، وتضع العالم أمام اختبار جديد يتعلق بأمن الطاقة والتجارة الدولية.
اقرأ أيضًا : ااقتصاد الاحتلال تحت النار: الحرب تفتح جبهة استنزاف جديدة داخل إسرائيل